Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير مختصر تفسير ابن كثير/ الصابوني (مـ 1930م -) مصنف و مدقق


{ قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } * { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ }

يقول تعالى: قل يا محمد للكافرين: { سَتُغْلَبُونَ } أي في الدنيا، { وَتُحْشَرُونَ } أي يوم القيامة إلى جهنم وبئس المهاد. وقد ذكر محمد بن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق (بني قينقاع) وقال: " يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً " فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله في ذلك من قولهم: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } ، إلى قوله: { لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ }. ولهذا قال تعالى: { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ } أي قد كان لكم أيها اليهود القائلون ما قلتم آية، أي دلالة على أن الله معزّ دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته ومعلٍ أمره { فِي فِئَتَيْنِ } أي طائفتين { ٱلْتَقَتَا } أي للقتال، { فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ } وهم مشركو قريش يوم بدر. وقوله: { يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ } ، قال بعض العلماء: يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم، أي جعل الله ذلك فيما رأوه سبباً لنصرة الإسلام عليهم. وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة، وهي أن المشركين بعثوا (عمر بن سعد) يومئذ قبل القتال يحزر لهم المسلمين، فأخبرهم بأنهم ثلثمائة يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، وهكذا كان الأمر، كانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً، ثم لما وقع القتال أمدهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم.

والقول الثاني: أن المعنى في قوله تعالى: { يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ } أي يرى الفئة المسلمة الفئة الكافرة { مِّثْلَيْهِمْ } أي ضعفيهم في العدد ومع هذا نصرهم الله عليهم، والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وعلى كل تقدير، فقد كانوا ثلاثة أمثال المسلمين، وعلى هذا فيشكل هذا القول والله أعلم، لكن وجَّه ابن جرير هذا وجعله صحيحاً، كما تقول: عندي ألف وأنا محتاج إلى مثليها، وتكون محتاجاً إلى ثلاثة آلاف كذا قال. وعلى هذا فلا إشكال، لكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين، وهو ما يقال: ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: في قصة بدر:وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } [الأنفال: 44] فالجواب: أن هذا كان في حالة، والآخر كان في حالة أخرى، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا } الآية. قال: هذا يوم بدر، قد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا.

السابقالتالي
2