Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير مختصر تفسير ابن كثير/ الصابوني (مـ 1930م -) مصنف و مدقق


{ كۤهيعۤصۤ } * { ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ } * { إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً } * { قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً } * { وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } * { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً }

أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة. وقوله: { ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ } أي هذا ذكر رحمة الله عبده زكريا، وزكريا يمد ويقصر، قراءتان مشهورتان، وكان نبياً عظيماً من أنبياء بني إسرائيل، وفي " صحيح البخاري " ، أنه كان نجاراً يأكل من عمل يده في النجارة، وقوله { إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً } قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره، حكاه الماوردي، وقال الآخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله، كما قال قتادة في هذه الآية { إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً }: إن الله يعلم القلب التقي، ويسمع الصوت الخفيّ، وقال بعض السلف: قام من الليل عليه السلام وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب يا رب يا رب، فقال الله له: لبيك لبيك لبيك { قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي } أي ضعفت وخارت القوى { وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً } أي اضطرم المشيب في السواد. والمراد من هذا الإخبارُ عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة، وقوله: { وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً } أي ولم أعهد منك إلاّ الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك، وقوله: { وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي } ، قال مجاهد وقتادة والسدي: أراد بالموالي العصبة، ووجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفاً سيئاً، فسأل الله ولداً يكون نبياً من بعده ليسوسهم بنبوته ما يوحي إليه، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه. (الثاني) أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا. (الثالث) أنه ثبت في " الصحيحين " من غير وجه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث، ما تركناه صدقة " وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: " نحن معشر الأنبياء لا نورث " وعلى هذا فتعين حمل قوله: { فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي } على ميراث النبوة، ولهذا قال: { وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } كقوله:وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ } [النمل: 16] أي في النبوة. إذ لو كان في المال خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة " ، قال مجاهد: كان وراثته علماً وقال الحسن: يرث نبوته وعلمه، وقال السدي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب، وعن أبي صالح في قوله { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } قال: يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة، وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره. وقوله: { وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً } أي مرضياً عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.