Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير صفوة التفاسير/ الصابوني (مـ 1930م -) مصنف و مدقق


{ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ } * { فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } * { أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } * { قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } * { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ } * { كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ } * { أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } * { خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } * { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ } * { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ }

المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى خيانة أهل الكتاب بتحريفهم كلام الله عن مواضعه، وتغييرهم أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم الموجودة في كتبهم حتى لا يؤمنوا به، ذكر تعالى هنا ما تقوم به الحجة عليهم وهو أن الله قد أخذ الميثاق على أنبيائهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم إِن أدركوا حياته، وأن يكونوا من أتباعه وأنصاره، فإِذا كان الأنبياء قد أخذ عليهم العهد أن يؤمنوا به ويبشروا بمبعثه فكيف يصح من أتباعهم التكذيب برسالته؟ ثم ذكر تعالى أن الإِيمان بجميع الرسل شرط لصحة الإِيمان وبيَّن أن الإِسلام هو الدين الحق الذي لا يقبل الله ديناً سواه.

اللغَة: { مِيثَاقَ } الميثاق: العهد المؤكد بيمين ونحوه وقد تقدم { إِصْرِي } عهدى وأصله في اللغة الثقل قال الزمخشري: وسمي إِصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد { ٱلْفَاسِقُونَ } الخارجون عن طاعة الله { طَوْعاً } انقياداً عن رغبة { وَكَرْهاً } إِجباراً وهو كاره { ٱلأَسْبَاطِ } جمع سبط وهو ابن الإِبن والمراد به هنا قبائل بني إِسرائيل من أولاد يعقوب { يُنظَرُونَ } يمهلون يقال: أنظره يعني أمهله والنظرة الإِمهال { ٱلْخَاسِرِينَ } الخسران: انتقاص رأس المال يقال: خسر فلان أي أضاع من رأس ماله { ٱلضَّآلُّونَ } التائهون في مهامه الكفر.

سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: ارتد رجل من الأنصار عن الإِسلام ولحق بالشرك ثم ندم، فأرسل إِلى قومه: سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة فإِني قد ندمت؟ فنزلت الآية { كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ... إلى قوله إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فكتب بها قومه إِليه فرجع فأسلم.

التفسِير: { وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ } أي اذكروا يا أهل الكتاب حين أخذ الله العهد المؤكد على النبيّين { لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ } أي لمن أجل ما آتيتكم من الكتاب والحكمة قال الطبري: المعنى لمهْما آتيتكم أيها النبيّون من كتاب وحكمة { ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ } أي ثم جاءكم رسول من عندي بكتاب مصدق لما بين أيديكم وهو محمد صلى الله عليه وسلم { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } أي لتصدقنه ولتنصرنه، قال ابن عباس: ما بعث الله نبياً من الأنبياء إِلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمداً وهو حي ليؤمننَّ به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته { قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي } أي أأقررتم واعترفتم بهذا الميثاق وأخذتم عليه عهدي؟ { قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا } أي اعترفنا { قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ } أي اشهدوا على أنفسكم وأتباعكم وأنا من الشاهدين عليكم وعليهم { فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ } أي أعرض ونكث عهده { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } أي هم الخارجون عن طاعة الله { أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ } الهمزة للإِنكار التوبيخي أي أيبتغي أهل الكتاب ديناً غير الإِسلام الذي أرسل الله به رسله؟ { وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي ولله استسلم وانقاد وخضع أهل السماوات والأرض { طَوْعاً وَكَرْهاً } أي طائعين ومكرهين قال قتادة: المؤمن أسلم طائعاً والكافر أسلم كارهاً حين لا ينفعه ذلك قال ابن كثير: فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله طوعاً، والكافر مستسلم لله كرهاً فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يُخالف ولا يُمانع { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } أي يوم المعاد فيجازي كلاً بعمله { قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا } أي قل يا محمد أنت وأمتك آمنا بالله وبالقرآن المنزل علينا { وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاط } أي آمنا بما أنزل على هؤلاء من الصحف والوحي، والأسباطُ هم بطون بني إِسرائيل المتشعبة من أولاد يعقوب { ِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ } أي من التوراة والإِنجيل { وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ } أي وما أنزل على الأنبياء جميعهم { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ } أي لا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعل اليهود والنصارى بل نؤمن بالكل { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أي مخلصون في العبادة مقرّون له بالألوهية والربوبية لا نشرك معه أحداً أبداً، ثم أخبر تعالى بأن كل دين غير الإِسلام باطل ومرفوض فقال { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } أي يطلب شريعة غير شريعة الإِسلام بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ليدين بها فلن يتقبل الله منه { وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ } أي مصيره إِلى النار مخلداً فيها { كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ } استفهام للتعجيب والتعظيم لكفرهم أي كيف يستحق الهداية قوم كفروا بعد إِيمانهم { وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ } أي بعد أن جاءتهم الشواهد ووضح لهم الحق أن محمداً رسول الله { وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ } أي جاءتهم المعجزات والحجج البينات على صدق النبي { وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ } أي لا يوفقهم لطريق السعادة، قال الحسن: هم اليهود والنصارى رأوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم، وشهدوا أنه حق فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب فكفروا بعد إِيمانهم { أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } أي جزاؤهم على كفرهم اللعنة من الله والملائكة والخلق أجمعين { خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } أي ماكثين في النار أبد الآبدين، لا يُفتّر عنهم العذاب ولا هم يمهلون { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ } أي إِلا من تاب وأناب وأصلح ما أفسد من عمله { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي متفضل عليه بالرحمة والغفران { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } نزلت في اليهود كفروا بعيسى بعد إِيمانهم بموسى ثم ازدادوا كفراً حيث كفروا بمحمد والقرآن { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } أي لا تقبل منهم توبة ما أقاموا على الكفر { وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ } أي الخارجون عن منهج الحق إِلى طريق الغي، ثم أخبر تعالى عمّن كفر ومات على الكفر فقال { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارُ } أي كفروا ثم ماتوا على الكفر ولم يتوبوا وهو عام في جميع الكفار { فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ } أي لن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً { أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي مؤلم موجع { وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } أي ما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله ولا يجيرهم من أليم عقابه.

السابقالتالي
2