Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير صفوة التفاسير/ الصابوني (مـ 1930م -) مصنف و مدقق


{ وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ } * { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } * { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ } * { إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ } * { وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ }

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حال الكافرين الجاحدين لآيات الله وما لهم من العذاب والنكال في الآخرة، ذكر هنا أدلة القدرة والوحدانية، وأتى بالبراهين على وجود الخالق الحكيم، فبدأ بذكر العالم العلوي ثم بالعالم السفلي، ثم بتعاقب الليل والنهار، ثم بالسفن التي تمخر عباب البحار، ثم بالأمطار التي فيها حياة الزروع والنفوس، ثم بما بث في الأرض من أنواع الحيوانات العجيبة، ثم بالرياح والسحب التي سخرها الله لفائدة الإِنسان وختم ذلك بالأمر بالتفكر في بدائع صنع الله، وإِعمال العقل في جميل خلقه، ليستدل العاقل بالأثر على وجود المؤثر، وبالصنعة على عظمة الخالق المدبّر الحكيم.

اللغَة: { وَإِلَـٰهُكُمْ } الإِله: المعبود بحقٍ أو باطل والمراد به هنا المعبود بحق وهو الله رب العالمين { ٱلْفُلْكِ } ما عظم من السفن وهو اسم يطلق على المفرد والجمع { وَبَثَّ } فرَّق ونشر ومنهكَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ } [القارعة: 4] { دَآبَّةٍ } الدابة في اللغة: كل ما يدب على الأرض من إِنسانٍ وحيوان مأخوذ من الدبيب وهو المشي رويداً وقد خصّه العرف بالحيوان، ويدل على المعنى اللغوي قوله تعالىوَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ } [النور: 45] فجمع بين الزواحف والإِنسان والحيوان { تَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ } الرياح: جمع ريح وهي نسيم الهواء، وتصريفُها تقليبها في الجهات ونقلها من حال إِلى حال، فتهب حارة وباردة، وعاصفة ولينة، وملقحة للنبات وعقيماً { ٱلْمُسَخَّرِ } من التسخير وهو التذليل والتيسير { أَندَاداً } جمع نِدّ وهو المماثل والمراد بها الأوثان والأصنام { ٱلأَسْبَابُ } جمع سبب وأصله الحبل والمراد به ما يكون بين الناس من روابط كالنسب والصداقة { كَرَّةً } الكرَّة: الرَّجعة والعودة إِلى الحالة التي كان فيها { حَسَرَاتٍ } جمع حسْرة وهي أشد الندم على شيء فائت وفي التنزيلأَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ } [الزمر: 56].

سَبَبُ النّزول: عن عطاء قال: أنزلت بالمدينة على النبي صلى الله عليه وسلم { وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } فقالت كفار قريش بمكة كيف يسعُ النّاسَ إِلهٌ واحد؟ فأنزل الله تعالى { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ... إِلى قوله لآيات لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

التفسِيْر: { وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } أي إِلهكم المستحق للعبادة إِلهٌ واحد، لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله { لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ } أي لا معبود بحق إِلا هو جلّ وعلا مُولي النعم ومصدر الإِحسان { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي إِن في إِبداع السماوات والأرض بما فيهما من عجائب الصنعة ودلائل القدرة { وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } أي تعاقبهما بنظام محكم، يأتي الليل فيعقبه النهار، وينسلخ النهار فيعقبه الليل، ويطول النهار ويقصر الليل والعكس { وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ } أي السفن الضخمة الكبيرة التي تسير في البحر على وجه الماء وهي موقرةٌ بالأثقال { بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ } أي بما فيه مصالح الناس من أنواع المتاجر والبضائع { وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ } أي وما أنزل الله من السحاب من المطر الذي به حياة البلاد والعباد { فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } أي أحيا بهذا الماء الزروع والأشجار، بعد أن كانت يابسة مجدبة ليس فيها حبوب ولا ثمار { وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ } أي نشر وفرّق في الأرض من كل ما يدب عليها من أنواع الدواب، المختلفة في أحجامها وأشكالها وألوانها وأصواتها { وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ } أي تقليب الرياح في هبوبها جنوباً وشمالاً، حارة وباردة، وليّنة وعاصفة { وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ } أي السحاب المذلّل بقدرة الله، يسير حيث شاء الله وهو يحمل الماء الغزير ثم يصبُّه على الأرض قطرات قطرات، قال كعب الأحبار: السحاب غربال المطر ولولا السحاب لأفسد المطر ما يقع عليه من الأرض { لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي لدلائل وبراهين عظيمة دالة على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة، والرحمة الواسعة لقوم لهم عقول تعي وأبصار تدرك، وتتدبر بأن هذه الأمور من صنع إِله قادر حكيم.

السابقالتالي
2 3