Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تيسير التفسير/ اطفيش (ت 1332 هـ) مصنف و مدقق


{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }

{ يا أيُّها الَّذين آمنُوا لا تُقدِّمُوا بيْن يَدي الله ورسُولِه } بدأ السورة بالرحمة ترغيباً فيها، وترجية للمذنبين، ليتوبوا، وبدأ بعد الرحمة بالنداء اشارة الى عظمة ما نودوا اليه، ليزدادوا اعتناء به، أن يجتهد فيما دعى الله، عن ابن مسعود: كل { يا أيها الذين آمنوا } فى المدينة وكل:يا أيُّها الناس } [الحجرات: 13] فى مكة، قلنا: قد يتخلف ذلك، وتقدم متعد الى مفعول واحد بنفسه، والى الآخر بعلى تقول: قدمت زيدا على عمر، ولكن استعمل هنا على طريق عدم تعلق الغرض بالمفعول، فنزل منزلة اللازم كقولك: الله يعطى ويمنع، وينفع ويضر، وقوله تعالى:يُحيي ويُميت } [الدخان: 8] فالمعنى لا تفعلوا التقديم، ولا سبيل لكم اليه، فهو سلب لحقيقة التقديم، فيلزم منه أن لا مقدَّم ولا مقدَّم عليه بفتح الدالين أو هو متعد الى مفعول به مقصود حذف للعموم، أى لا تقدموا أمرا ما من الأمور على الآخر، وهذا أكثر استعمالا، وفيه السلامة من تنزيل المتعدى منزلة اللازم الذى هو خلاف الأصل لكل فيه الحذف الذى هو خلاف الأصل.

وعندي الأول وهو تنزيله منزلة اللازم أولى وهو كثير، ولو كان الثانى أكثر وهو الحذف لأن أبلغية الكلام بسلب التقديم البتة أقوى من أبلغيته بحذف المفعول على طريق قصده للعموم، والوجهان من معنى التقديم، ويجوز أن يكون من معنى التقدم بضم الدال وهو لازم كقولك: مقدمة الجيش، ومقدمة جناحى الطائر، ويدل له قراءة ابن عباس، وأبى حيوة، والضحاك، ويعقوب وابن مقسم بفتح التاء والدال، والأصل عليه لا تتقدموا فحذفت احدى التاءين، ولفظ، بين مجاز مرسل أصلى، لأن حقيقته ما بين اليد اليمنى واليسرى، واستعمل فى معنى ما امر الله تعالى به، وما أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون الكلام استعارة تمثيلية، شبه اثبات الحكم من غير اقتداء بالله ورسوله، لجامع البشاعة بتقدم الخادم بين يدى سيده فى السير بلا أمر منه، حيث لا مصلحة أى لا تجزموا بأمر قبل حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيه، وذلك تشبيه للمقول بالمحسوس.

ويجوز أن يكون المراد بين يدى الرسول، وذكر لفظ الجلالة قبل الرسول تعظيما له صلى الله عليه وسلم ولشأنه، بأن مقوله مقول الله عز وجل، فكيف يعرض عنه، قال ابن عباس: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وعنه: نهوا أن تكلموا بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمروا أن يصغوا فهذا فى التلفظ وما مرّ فى اثبات الأحكام بدون الله ورسوله كما قال مجاهد لا تفتئتوا على الله ورسوله حتى يقضى الله، وروى حتى يقصه الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وسواء فى ذلك قراءة التقديم وقراءة التقدم، أو قراءة التقدم على التشبيه لجعلتهم فى الحكم، أو التلفظ بعجلة المسافر من سفره بجامع الرغبة، وقدر رغبوا فى الحكم أو القول.

السابقالتالي
2 3