Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تيسير التفسير/ اطفيش (ت 1332 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ }

{ إنَّا نَحن } لا غيرنا، أكد الاحياء بالجملة الاسمية، وضمير غير المفرد فى مواضع، وذكر نحن ولا تخفى التقوية بذلك لما قالوا:وما نحن بمبعوثين } قال الله جلا وعلا: " أنا الكفيل بالبعث فتشاهدونه " { نُحْيي الموْتى } من كفر ومن اتبع الذكر كلهم للجزاء { ونكتبُ ما قَدَّموا } من حسنات وسيئات كالخطا الى المساجد والى صلاة الجمعة { وآثارهم } كالصدقة الجارية، والعلم الذى علمه غيره، والتأليف وتأسيس الحق كنفى الرؤية، وكتأسيس قوانين المعصية كإثبات الرؤية وكون صفاته تعالى غيره، وقوانين الظلم، قال صلى الله عليه وسلم: " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا " ثم تلا الآية فالحديث تفسير للآية بالمعصية والطاعة المستمرين بعد موت صاحبهما.

وكان بنو سلمة وغيرهم من الأنصار بناحية من المدينة بعيدة من المسجد النبوى، وكان حول المسجد فراغ فأرادوا القرب منه، فأنزل الله عز وجل: { ونكتب ما قدموا } الآية فدعاهم فقال: تكتب آثاركم وقرأ اية فتركوا القرب، وكان صلى الله عليه وسلم كارها لخلاء نواحى المدينة فقال: " يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم " ؟ فقالوا: يا رسول الله محتسب ولا يسرنا التحول، والمراد بقوله: تكتب آثاركم الأخذ من قوله: { ونكتب ما قدموا } لا تفسير الآثار فى الآية بخطواتهم، فإنه قد فسرها بما يستمر، فلا يغرنك موافقة لفظ الآثار، وهب أنها مرادة، فليست بخصوصها، بل بحيث إنه يقتدى بهم فى ترك القرب، وفى المجىء من بعيد.

وفى الحديث: " أعظم الناس أجرا فى الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذى ينتظر الصلاة مع الإمام أعظم أجراً من الذى يصلى ثم ينام " وقيل ما قدموا من النيات وآثارهم سائر الأعمال، وهو مخالف لتفسير الحديث، مع أن النية لا يطلع عليها الملك، فلعل الله يكتبها بقدرته، ومن ذلك ما ورد من أن الله جل وعلا يخرج للإنسان كتاباً فيه حسنات بالنية، ويقول: لم يطلع عليها غيرى، وفسر بعضهم الكتابة بالحفظ، وبعض بالجزاء.

{ وكُل شَيء } مما يرجع إلى الدين أو غيره { أحْصَيناه } حفظناه، وأصل الإحصاء العد، عبر به لأن العد لأجل الحفظ، ويقال أصله العد بالحصى { في إمامٍ مُبينٍ } اللوح المحفوظ، لأنه إمام يعمل به، ولا يخالف، والمراد غير أحوال أهل الجنة وأهل النار، لأنها لا تنحصر إلا أن خلق الله عز وجل ذلك للوح بقدرته يفى بذلك كذا قيل، وفيه أن ذلك من خصوصيات الله عز وجل، وما كذلك لا يخلقه الله تعالى لغيره وذلك محال، ولو جاز ذلك لجاز أن يخلق الألوهية لأحد، كما أن معلومات الله لا تنقضى، ومنها أحوال أهلها، ومع ذلك هى محصورة عند الله، ومعنى مبين: مظهر ملا كان وما يكون، وقد يقال: اللوح المحفوظ مشتمل على الكل مطلقا شيئا فشيئا، مثل أن يكتب ما فى ألف سنة ثم ما فى ألف بعدها، وهكذا أو بتخالف العدد، ولا نجزم بأن اللوح زمردة خضراء من وجه وياقوتة حمراء من آخر، وقيل: اللوح المحفوظ علم الله.