Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تيسير التفسير/ اطفيش (ت 1332 هـ) مصنف و مدقق


{ مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ }

{ مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ } يبرك { المُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ } لام الجحود زائدة لتأكيد النفى أى ما كان شأن الله ترك المؤمنين، أو ما كان الله ذا ترك للمؤمنين، أو تاركا، أو للتقوية، أى ما كان الله مريداً لتركهم على ما أنتم عليه من التباس المنافق المخلص، وجريان أحكام الإيمان عليه، وزعم الكوفيون أنها زائدة ناصبة للمضارع، ولا تقدر أن ولا المصدر ولا حذف، والجملة خبر كان، والخطاب كما رأيت للمؤمنين والمنافقين والمرتابين، وقيل للمؤمنين، وقيل للمنافقين والمرتابين، وفى الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ووعد لهم، ووعيد لغيرهم { حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ } المنافق لخبثه اعتقاداً وفعلا { مِنَ الطَّيِِّبِ } المخلص اعتقاداً وفعلا وقولا، ومعنى الغاية أن الله تعالى يفعل التخليص بينهم حتى يتبين لكم، وذلك التمييز إنما هو بعدم تحمل المشاق وبذل الأموال فى سبيل الله، وبرجوعهم عن أحد وإبائهم من الخروج إلى قتال أبى سفيان حين رجع من أحد ومن الخروج قابلا إلى بدر الصغرى، وما ينفلت أحياناً منهم من كلمات الكفر وترك الفرائض، وقولهم، لو كان رسولا لم تصبه هذه المكارة، ونحو ذلك، لا بأن يقول فلان من أهل الجنة وفلان منافق من أهل النار، فإنما هو للأنبياء لا للعامة كما قال الله جل وعلا { وَمَا كَانَ اللهُ ليُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ } أن فلانا وفلانا منافقون ويخبر الله نبيه بهذا كغيره من الغيب، فيسره فى حذيفة رضى الله عنه كماقال { وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِى } يختار { مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ } كما اجتبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بهم بأعيانهم لا بوصفهم فقط، وروى أن الكفار قالوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر، وقال صلى الله عليه وسلم: " عرضتْ علىَّ أمتى وأعلمتُ من يؤمن بى ومن يكفر، كما عرضت على آدم ذريته " ، فقال المنافقون: إنه يزعم أنه يعرف من يؤمن ومن يكفر، ونحن معه ولا يعرفنا، فنزل وما كان الله ليطلعكم على الغيب، ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء، وقيل قالت قريش يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن ويكون فى رضى الله فى الجنة ومن يكون بعكس ذلك فليخبرنا بهم، فنزلت، فلت: لعلها نزلت فى ذلك كله { فَأمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ } بإخلاص وجزم، ولا تتوقفوا إلى أن يعلم الغيب، فإنه ليس يعلم كل غيب، وقد أعلمه من يؤمن ومن يكفر، وبأن تعلموا أنه لا يعرف الغيب إلا من عرفه الله إياه، واجتباه لذلك من الأنبياء { وَإن تُؤْمِنُوا } إيماناً خالصاً { وَتَتَّقُوا } ما فيكم من الكفر والعقاق، والخطاب فى المواضع الثلاثة يقوى أن الخطاب فى قوله عز وجل: ما أنتم عليه للمنافقين والمرتابين { فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } لا يعلم قدره إلا الله.