Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تيسير التفسير/ اطفيش (ت 1332 هـ) مصنف و مدقق


{ قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } * { ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ }

{ قد } لتحقيق الإفلاح الذى يتوقعه المؤمنون { أفلح } دخل فى الفلاح، كأصبح دخل فى الصباح، وأبشر دخل بالبشارة، والفلاح الفوز بالمقصود، وقيل البقاء فى الخير، ومن الخطأ البين تقديم القسم، مع أنه لا دليل عليه ولا محوج إليه يحوجنا { المؤمنون } بالله ورسوله، وما جاء به بشرط أن يأتوا بما فى قوله:

{ الَّذين هُم فى صلاتهم خاشعُونَ } إلى قوله:يحافظون } [المؤمنون: 9] وما يتبع ذلك، أو المؤمنون الموفون بذلك كله وزيادة، فقوله: { الذين هم } الخ مدح لهم، وهو أولى لأن الأصل اطلاق المؤمن على الموفى، والخشوع التذلل مع خوف ويزاد فى الصلاة إذا فسر خشوعها بترك اشتغال القلب والجوارح بغيرها، ولو بأمر الآخرة، وتنكيس الرأس أفضل للخضوع، أو إقامته أفضل، لأنها إكمال للقيام، وهو أصح مع ضم خشوع القلب إليها، وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى مصليا يعبث بلحيته فقال: " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه " وكان صلى الله عليه وسلم يرفع بصره إلى السماء فى الصلاة، فأنزل الله عز وجل: { الذين هم فى صلاتهم خاشعون } فكان ينكس رأسه فاستدل به على فضل النكس، وأجيب بأن النكس فى الحديث ترك الرفع إلى السماء، ولو مع استواء القامة.

وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: " لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء أو لتخطفنَّ " فقيل هذا شامل للأعمى، ولا شك أنه لا يجوز له، كما لا يجوز للمبصر، وفى الأثر: " من رأى السماء عمدا فسدت صلاته ومن غمض عينيه عمداً بلا ضرورة فسدت صلاته " وجاء النهى عنه من طريق ضعيف، واليهود تفعله، واستحب بعض قومنا، لآنه يحضر القلب قالت أم رومان، والدة عائشة رضى الله عنها: رآنى أبو بكر أتميل فى الصلاة، فزجرنى حتى كدت أنصرف عنها، وقال: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: " يتميلن أحدكم فى الصلاة وليسكن " وفى الحديث: " الاختصار فى الصلاة أى وضع اليد على الخاصرة راحة أهل النار " ، أى راحة فى الصلاة لأهل النار فى الآخرة، وهم اليهود، إذ لا راحة فيها، وقدم فى صلاتهم الفاصلة، وليلى الإيمان كما أطلق الإيمان عليها فى:وما كان الله ليضيع إيمانكم } [البقرة: 143].

ويجوز أن يكون التقديم فى مثل هذا للاعتناء بالمقدم والتشويق للمؤخر لا للحصر، لأنه هنا بمعنى خاشعون فى صلاتهم لا فى غيرها، وليس هذا مراد، أو ليس المعنى فى الحصر فى صلاتهم لا فى بعضها، لأنه لم يقل فى صلاتهم كلها، وعلى إرادته يحصل هذا المعنى، ولو مع التأخير، وعن عبادة بن الصامت موقوفاً: " يوشك أن تدخل المسجد ولا ترى فيه خاشعاً " وعن حذيفة موقوفاً: " أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون الصلاة وتنتقض عرا الإسلام عروة عروة " ويقال الصلاة بلا خشوع جسد بلا روح.