Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تيسير التفسير/ اطفيش (ت 1332 هـ) مصنف و مدقق


{ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } * { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً }

{ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ } إلخ هو مما فى التوراة محكيا بالقول المقدر، قبل: إن أحسنتم إلخ، كأنه أعيد القول هكذا قائلين، أو قلنا: عسى ربكم أن يرحمكم بعد المرة الأولى.

{ وَإِنْ عُدْتُمْ } أى رجعتم إلى الإفساد مرة ثالثة { عُدْنَا } إلى العقاب لكم، وقد عادوا إلى الإفساد بتكذيب رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقصد قتله مراراً كإلقاء الصخرة عليه فى أعمال المدينة، وفى الشام، وإطعام السم وغير ذلك، فعاد الله عز وجل عليهم بتسليطه عليهم، فقتل قريظة، وأجلى بنى النضير، وضرب الجزية على الباقين، وتسليط الأكاسرة عليهم، وضربهم الاتاوة عليهم ونحو ذلك، والعقاب ثلاث مرات، والعود مرتان، لأن الأولى ليست عوداً وتلك العقوبات الثلاث فى الدنيا.

وأما عذاب الآخرة ففى قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ } لم يقل لهم لزيادة ذمهم، وذكر ما به العقاب وهو الكفر، أو للعموم فيدخلون بالأولى.

{ حَصِيرًا } موضعًا حاضراً لا طاقة لهم عن الخروج منه، وهذا باعتبار أصله فى الاشتقاق، مع أنه قد خرج منه إلى معنى الموضع المسمى بالسجن، فلاعتبار معنى الموضع صح الإخبار عن المؤنث، وهو جهنم، ولم يقل حصيرة لتأويل جهنم بالسجن، أو الحصير للنسب كما يقال: امرأة لابن أى ذات لبن، وهو وجه فى قوله تعالى:السماء منفطر به } [المزمل: 18] أو لحمل فعيل بمعنى فاعل على فعيل، بمعنى مفعول، كامرأة كحيل أى مكحولة. وأما كون التأنيث مجازيًا فإنما هو فى الظاهر، وأما فى الاضمار فلا بد من المطابقة نحو: الشجرة قائمة، أو لتأويل الحصير بالبساط، أو لتأويله بمحصورة، وفعيل بمعنى مفعول لا يؤنث مع ذكر صاحبه، كأنه قيل: جهنم محصورة، أى محاط عليها، لا سبيل لأحد إلى جعل باب أو ثلمة للخروج منها، أو إلى الغلبة عليها.

لما ذكر الله عز وجل الإسراء، وبعض أخبار التوراة وموسى عليه السلام فى القرآن أثنى على القرآن المشتمل على ذلك وغيره من الحكم والمصالح والشرعيات، فقال:

{ إِنْ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِى } كل أحد هداية بيان، فالحذف للعموم أو بقدر يهدى المؤمنين أى مسار فى الإيمان، أو المراد زيادة تأثير الهدى.

{ لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } أى للسيرة التى هى أقوم، أو للطريقة التى، أو للملة التى، أو للحالة التى، أو للخصلة التى ونحو ذلك مما هو مقبول، فتذهب النفس كل مذهب لائق، وذلك من بلاغة القرآن، ولو صرح بواحد من ذلك لم تذهب النفس إلى غيره، بل يقتصر عليه، ومعنى أقوم أعدل وأصوب، وأقوم تفضيل على بابه لأن فى القرآن ما ليس فى الكتب السابقة من القوام ولأمته ما ليس لأممها، أو على فرض أن فى غيره من دعوى الناس صلاحًا، فالقرآن أصلح أو خارج من بابه، أى للتى هى قيمة، وأسند الهدى للقرآن على طريق المجار العقلى، لأنه آلة للمهتدى أو لمعنى الدلالة على ما يوصل إِلى المطلوب.

{ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ } يشتمل على التبشير والمبشر حقيقة هو الله، ولكن أسنده إلى المحل وهو القرآن، أو إلى ما به للتبشير وهو القرآن.

{ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا } أى بأن لهم أجرًا عظيمًا كثرة وجودة هو الجنة، وجميع ما لهم فيها، ومن مات من أهل التوحيد مصرًّا لم يدخل الجنة، بل النار، ومن مات منهم تائباً دخل بمرتبته، وأهل الجنة متفاوتون فيها.