الرئيسية - التفاسير


* تفسير الوجيز/ الواحدي (ت 468 هـ) مصنف و مدقق


{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ } * { إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } * { ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } * { لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } * { عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ }

{ يا أيها الذين آمنوا ما لكم } نزلت في حثِّ المؤمنين على غزوة تبوك، وذلك أنَّهم دُعوا إليها في زمان عسرةٍ من النَّاس، وجدبٍ من البلاد، وشدةٍ من الحرِّ، فشقَّ عليهم الخروج، فأنزل الله تعالى: { ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله } أخرجوا في الجهاد لحرب العدوِّ { اثاقلتم إلى الأرض } أَحْبَبْتُمْ المقام { أرضيتم بالحياة الدنيا } بدلاً { من الآخرة } يعني: الجنَّة { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة } يريد: الدُّنيا كلَّها { إلاَّ قليل } عند شيءٍ من الجنَّة.

{ إلاَّ تنفروا } تخرجوا مع نبيِّكم إلى الجهاد { يعذبكم عذاباً أليماً } بالقحط وحبس المطر { ويستبدل قوماً غيركم } يأت بقومٍ آخرين ينصرُ بهم رسوله { ولا تضرّوه شيئاً } لأنَّ الله عصمه عن النَّاس، ولا يخذله أَنْ تثاقلتم، كما لم يضرَّه قلَّة ناصريه حين كان بمكَّة وهم به الكفَّار، فتولَّى الله نصره، وهو قوله:

{ إلاَّ تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا } أَيْ: اضطروه إلى الخروج لمَّا همُّوا بقتله، فكانوا سبباً لخروجه من مكَّة هارباً منهم، { ثاني اثنين } أَيْ: واحد اثنين هو صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه، والمعنى: نصره الله منفرداً إلاَّ من أبي بكر: { إذْ هما في الغار } هو غارٌ في جبل مكة يقال له: ثور { إذْ يقول لصاحبه } أبي بكر: { لا تحزن } وذلك أنَّه خاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم الطَّلب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لا تحزن إنَّ الله معنا } يمنعهم منَّا، وينصرنا { فأنزل الله سكينته } ألقى في قلب أبي بكر ما سكن به، { وأيده } أَيْ: رسوله { بجنود لم تروها } قوَّاه وأعانه بالملائكة يوم بدر. أخبر أنَّه صرف عنه كيد أعدائه، ثمَّ أظهره: نصره بالملائكة يوم بدر { وجعل كلمة الذين كفروا } وهي كلمة الشِّرك { السفلى وكلمة الله هي العليا } [يعني: كلمة التَّوحيد] لأنَّها علت وظهرت، وكان هذا يوم بدر.

{ انفروا خفافاً وثقالاً } شباباً وشيوخاً { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذٰلكم خير لكم } من التَّثاقل إلى الأرض { إن كنتم تعلمون } ما لكم من الثَّواب والجزاء، ثمَّ نزل في المنافقين الذين تخلَّفوا عن هذه الغزوة:

{ ولو كان عرضاً قريباً } أَيْ: لو كان ما دُعوا إليه غنيمةً قريبةً { وسفراً قاصداً } قريباً هيِّناً { لاتبعوك } طمعاً في الغنيمة { ولكن بعدت عليهم الشقة } المسافة { وسيحلفون بالله } عندك إذا رجعت إليهم { لو استطعنا لخرجنا معكم } لو قدرنا وكان لنا سعةٌ من المال { يهلكون أنفسهم } بالكذب والنِّفاق { والله يعلم إنهم لكاذبون } لأنَّهم كانوا يستطيعون الخروج.

{ عفا الله عنك لم أذنت لهم } كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لطائفةٍ في التَّخلُّف عنه، من غير مؤامرةٍ، ولم يكن له أن يمضي شيئاً إلاَّ بوحي، فعاتبه الله سبحانه، وقال: لم أَذنت لهم في التَّخلُّف { حتى يتبيَّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } حتى تعرف مَنْ له العذر منهم، ومَنْ لا عذر له، فيكون إذنك لمَنْ له العذر.