Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوجيز/ الواحدي (ت 468 هـ) مصنف و مدقق


{ مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } * { وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ } * { وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } * { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ } * { أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } * { وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ }

{ ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } لا يرضوا لأنفسهم بالخفض والدَّعَة، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الحرِّ والمشقَّة { ذلك } أَيْ: ذلك النَّهي عن التَّخلُّف { بأنهم لا يصيبهم ظمأ } وهو شدَّة العطش { ولا نصب } إعياء من التَّعب { ولا مخمصة } مجاعةٌ { ولا يطؤون موطئاً } ولا يقفون موقفاً { يغيظ الكفار } يُغضبهم { ولا ينالون من عدو نيلاً } أسراً وقتلاً إلاَّ كان ذلك قُربةً لهم عند الله.

{ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة } تمرةً فما فوقها { ولا يقطعون وداياً } يُجاوزونه في سيرهم { إلاَّ كتب لهم } آثارهم وخُطاهم { ليجزيهم الله أحسن } بأحسن { ما كانوا يعملون } فلمَّا عِيبَ مَنْ تخلَّف عن غزوة تبوك قال المسلمون: والله لا نتخلَّف عن غزوةٍ بعد هذا، ولا عن سرية أبداً، فلمَّا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسَّرايا إلى العدُّو، نفر المسلمون جميعاً إلى الغزو، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده بالمدينة، فأنزل الله عزَّ وجلَّ:

{ وما كان المؤمنون لينفروا كافة } ليخرجوا جميعاً إلى الغزو { فلولا نفر من كلِّ فرقة منهم طائفة } فهلاَّ خرج إلى الغزو من كل قبيلةٍ جماعةٌ { ليتفقهوا في الدين } ليتعلَّموا القرآن والسُّنن والحدود. يعني: الفرقة القاعدين { ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم } وليعلِّموهم ما نزل من القرآن ويخوّفوهم به { لعلهم يحذرون } فلا يعملون بخلاف القرآن.

{ يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم } يقربون منكم. أُمروا بقتال الأدنى فالأدنى من عدوِّهم من المدينة { وليجدوا فيكم غلظة } شدَّةً وعُنفاً.

{ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم } من المنافقين { مَنْ يقول أيكم زادته هذه إيماناً } يقوله المنافقون بعضهم لبعض هزؤاً، فقال الله تعالى: { فأمَّا الذين آمنوا فزادتهم إيماناً } تصديقاً، لأنَّهم صدَّقوا بالأولى والثَّانية { وهم يستبشرون } يفرحون بنزول السُّورة.

{ وأما الذين في قلوبهم مرض } شكٌّ ونفاقٌ { فزادتهم رجساً إلى رجسهم } كفراً إلى كفرهم؛ لأنَّهم كلَّما كفروا بسورةٍ ازداد كفرهم.

{ أَوَلاَ يرون أنهم يفتنون في كلِّ عام مرَّة أو مرتين } يُمتحنون بالأمراض والأوجاع، وهنَّ روائد الموت { ثمَّ لا يتوبون } من النِّفاق، ولا يتَّعظون كما يتَّعظ المؤمن بالمرض.

{ وإذا ما أنزلت سورة } كان إذا نزلت سورةٌ فيها عيبُ المنافقين، وتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شقَّ ذلك عليهم، و { نظر بعضهم إلى بعض } يريدون الهرب من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم لبعض: { هل يراكم من أحد } إنْ قمتم، فإن لم يرهم أحدٌ خرجوا من المسجد، وإنْ علموا أنَّ أحداً يراهم ثبتوا مكانهم حتى يفرغ من خطبته { ثم انصرفوا } على عزم الكفر والتَّكذيب { صرف الله قلوبهم } عن كلِّ رشدٍ وهدى { بأنهم قومٌ لا يفقهون } جزاءً على فعلهم، وهو أنَّهم لا يفقهون عن الله دينه وما دعاهم الله إليه.