Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوجيز/ الواحدي (ت 468 هـ) مصنف و مدقق


{ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } * { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } * { إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } * { سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً }

{ فما لكم في المنافقين فئتين } نزلت في قومٍ قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأقاموا ما شاء الله، ثمَّ قالوا: إنَّا اجتوينا المدينة، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم أَنْ يخرجوا، فلمَّا خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلةً مرحلةً، حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المؤمنون فيهم، فقال بعضهم: إنَّهم كفار مرتدُّون، وقال آخرون: هم مسلمون حتى نعلم أنَّهم بدَّلوا، فبيَّن الله كفرهم في هذه الآية، والمعنى ما لكم مختلفين في هؤلاء المنافقين على فئتين، على فرقتين { والله أركسهم } ردَّهم إلى حكم الكفَّار من الذُّلِّ والصَّغار، والسَّبي والقتل { بما كسبوا } بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النِّفاق { أتريدون } أيُّها المؤمنون { أن تهدوا } أَيْ: ترشدوا { مَنْ أضلَّ الله } لم يرشده الله، أَيْ: يقولون: هؤلاء مهتدون، والله قد أضلَّهم { ومَنْ يضلل الله فلن تجد له سبيلاً } أَيْ: ديناً وطريقاً إلى الحجَّة.

{ ودُّوا } أَيْ: هؤلاء { لو تكفرون كما كفروا فتكونون } أنتم وهم { سواءً فلا تتخذوا منهم أولياء } أَيْ: لا تُوالوهم ولا تُباطنوهم { حتى يهاجروا في سبيل الله } حتى يرجعوا إلى رسول الله { فإن تولوا } عن الهجرة وأقاموا على ما هم عليه { فخذوهم } بالأسر { ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً } أيْ: لا تتولوهم ولا تستنصروا بهم على عدوِّكم.

{ إلاَّ الذين يصلون } أَيْ: فاقتلوهم حيث وجدتموهم إلاَّ الذين يتصلون ويلتجئون { إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } فيدخلون فيهم بالحلف والجوار { أو جاؤوكم حصرت صدورهم } يعني: أو يتصلون بقوم جاؤوكم وقد ضاقت صدورهم بقتالكم، وهم بنو مدلجٍ كانوا صلحاً للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا بيان أنَّ مَن انضمَّ إلى قومٍ ذوي عهدٍ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم فله مثلُ حكمهم في حقن الدم والمال، ثمَّ نُسخ هذا كلُّه بآية السَّيف، ثمَّ ذكر الله تعالى مِنَّته بكفِّ بأس المعاهدين فقال: { ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم } يعني: إنَّ ضيق صدورهم عن قتالكم إنَّما هو لقذف الله تعالى الرُّعب في قلوبهم، ولو قوَّى الله تعالى قلوبهم على قتالكم لقاتلوكم، { فإن اعتزلوكم } أَيْ: في الحرب { وألقوا إليكم السلم } أَي: الصُّلح { فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً } في قتالهم وسفك دمائهم، ثمَّ أمره بقتال مَنْ لم يكن على مثل سبيل هؤلاء، فقال:

{ ستجدون آخرين.. } الآية. هؤلاء قومٌ كانوا يظهرون الموافقة لقومهم من الكفَّار، ويظهرون الإِسلام للنبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين،يريدون بذلك الأمن في الفريقين، فأطلع الله نبيَّه عليه السَّلام على نفاقهم، [وهو قوله: { يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم } وقوله: { كلما رُدُّوا إلى الفتنة أركسوا فيها } كلَّما دُعوا إلى الشِّرك رجعوا فيه { وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً } أَيْ: حجَّة بيِّنةً في قتالهم؛ لأنَّهم غَدَرةٌ لا يُوفون لكم بعهدٍ.