Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوجيز/ الواحدي (ت 468 هـ) مصنف و مدقق


{ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } * { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } * { وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ } * { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } * { تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ }

{ قال لهم نبيُّهم إنَّ آية ملكه أن يأتيكم التابوت } وكان تابوتاً أنزله الله تعالى على آدم عليه السَّلام فيه صور الأنبياء عليهم السَّلام، كانت بنو إسرائيل يستفتحون به على عدوِّهم، فغلبتهم العمالقة على التَّابوت، فلمَّا سألوا نبيَّهم البيِّنة على ملك طالوت قال: إنَّ آية ملكه أن يردَّ الله تعالى التَّابوت عليكم، فحملت الملائكة التَّابوت حتى وضعته في دار طالوت، وقوله: { فيه سكينة من ربكم } أَيْ: طمأنينةٌ. كانت قلوبهم تطمئنُّ بذلك، ففي أيِّ مكانٍ كان التَّابوت سكنوا هناك، وكان ذلك من أمر الله تعالى { وبقيةٌ ممَّا ترك آل موسى وآل هارون } أَيْ: تركاه هما، وكانت البقيَّة نعلي موسى وعصاه وعمامة هارون، وقفيزاً من المنِّ الذي كان ينزل عليهم { تحمله الملائكة } أَي: التَّابوت. { إنَّ في ذلك لآية } أَيْ: في رجوع التَّابوت إليكم علامة أنَّ الله قد ملَّك طالوت عليكم { إن كنتم مؤمنين } أَيْ: مصدِّقين.

{ فلما فصل طالوت بالجنود } أَيْ: خرج بهم من الموضع الذي كانوا فيه إلى جهاد العدوِّ { قال } لهم طالوت: { إنَّ الله مبتليكم } أَيْ: مُختبركم ومُعاملكم مُعاملة المختبر { بنهرٍ } أَيْ: بنهر فلسطين ليتميِّز المحقِّق ومَنْ له نيَّةٌ في الجهاد من المُعذِّر { فمن شرب منه } أَيْ: من مائه { فليس مني } أَيْ: من أهل ديني { ومن لم يطعمه } لم يذقه { فإنَّه مني إلاَّ مَن اغترف غرفة بيده } أَيْ: مرَّةً واحدةً، أَيْ: أخذ منه بجرَّةٍ أو قِربةٍ وما أشبه ذلك مرَّةً واحدةً، قال لهم طالوت: مَنْ شرب من النَّهر وأكثر فقد عصى الله، ومن اغترف غرفة بيده أقنعته، فهجموا على النَّهر بعد عطشٍ شديدٍ، ووقع أكثرهم في النَّهر وأكثروا الشُّرب، فهؤلاء جَبُنوا عن لقاء العدو، وأطاع قومٌ قليلٌ عددهم فلم يزيدوا على الاغتراف، فقويت قلوبهم وعبروا النَّهر، فذلك قوله: { فشربوا منه إلاَّ قليلاً منهم } وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً { فلما جاوزه } أَي: النَّهر { هو والذين آمنوا معه قالوا } يعني: الذين شربوا وخالفوا أمر الله تعالى: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال } يعني: القليل الذين اغترفوا وهم { الذين يظنون } أَيْ: يعلمون { أنهم ملاقو الله } أَيْ: راجعون إليه: { كم مِنْ فئة قليلة } أَيْ: جماعةٍ قليلةٍ { غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } بالمعونة والنَّصر.

{ ولما برزوا } أَيْ: خرجوا { لجالوت وجنوده } أَيْ: لقتالهم { قالوا ربنا أفرغ } أصببْ { علينا صبراً وثبت أقدامنا } بتقوية قلوبنا.

{ فهزموهم } فردُّوهم وكسروهم { بإذن الله } بقضائه وقدره { وقتل داود } النَّبيُّ، وكان في عسكر بني إسرائيل { جالوت } الكافر { وآتاه الله الملك } [أعطى الله داود ملك بني إسرائيل] { والحكمة } أَيْ: جمع له الملك والنُّبوَّة { وعلَّمه مما يشاء } صنعة الدُّروع ومنطق الطَّير { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } لولا دفع الله بجنود المسلمين لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين وخرَّبوا البلاد والمساجد.

{ تلك آيات الله } أَيْ: هذه الآيات التي أخبرتك بها آيات الله، أَيْ: علامات توحيده { وإنك لمن المرسلين } أَيْ: أنت من هؤلاء الذين قصصتُ عليك آياتهم.