Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1419 هـ) مصنف و مدقق


{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }

وإياك أن تظن أن الله عز وجل يعاقب الكفار لأنهم لم يؤمنوا برسل الله فقط، ولكن لأن الكون يفسد بسلوكهم، وهو سبحانه غير محتاج لأن يؤمن به أحد، ثم إن دين الحق سينتصر سواء آمن الناس به أم لم يؤمنوا، وسبحانه يريد بالمنهج الذي أنزله كل الخير والسعادة لعباده لذلك يقول الحق تبارك وتعالى:يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ } [الحجرات: 17]. فإذا دخل أحد في الإسلام فلا يمن على الله أنه أسلم لأن إسلامه لن يزيد في ملك الله شيئاً، وليعلم أن الله سبحانه وتعالى قد منّ عليه بهدايته للإسلام وهي لصالحه. ويريد الله من رسوله ألا يلتفت إلى عدد الكفار أو قوتهم لأن معه الأقوى، وهو الله سبحانه وتعالى ولذلك يقول: { حَسْبُكَ ٱللَّهُ } [الأنفال: 64]. أي يكفيك الله. وقوله تعالى: { حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [الأنفال: 64]. هي داخلة في { حَسْبُكَ ٱللَّهُ }. لأن الله هو الذي هدى هؤلاء المؤمنين للإيمان فآمنوا. ويكون المعنى: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، أي يكفيكم الله، وعلى ذلك فلا تلتمس العزة إلا من الحق سبحانه وتعالى. ويمكن أن يكون المعنى يكفيك الله فيما لا تستطيع أن تحققه بالأسباب. ويكفيك المؤمنون فيما توجد فيه أسباب. ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى قال: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ } [الأنفال: 64]. وهذا النداء إنما يأتي في الأحداث أما البلاغ فيقول الله تعالى:يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } [المائدة: 67]. إذن فالحق سبحانه وتعالى ينادي الرسول بـ { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ } حين يكون الأمر متعلقاً بالأسوة السلوكية، أما إذا كان الأمر متعلقاً بتنزيل تشريع، فالحق سبحانه يخاطبه صلى الله عليه وسلم بقوله:يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ } [المائدة: 67] ذلك أن الرسل جاءوا مبلغين للمنهج عن الله، ويسيرون وفق هذا المنهج كأسوة سلوكية. على أننا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قد ذكر كل رسول باسمه في القرآن الكريم فقال: " يا موسى " ، وقال: " يا عيسى بن مريم " ، وقال: " يا إبراهيم ". إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد خاطبه بـ: " يأيها النبي " ، وبـ " يأيها الرسول " ، وهذه لفتة انتبه إليها أهل المعرفة، وهذا النداء فيه خصوصية لخطاب الحضرة المحمدية، فالله سبحانه وتعالى يقول:وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ } [البقرة: 35]. وينادي سيدنا نوحاً قائلاً سبحانه:يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ } [هود: 48]. وينادي سيدنا موسى فيقول:أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } [القصص: 30]. وينادي سيدنا عيسى فيقول:يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } [المائدة: 116]. فكل نبي ناداه الحق تبارك وتعالى ناداه باسمه مجرداً إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقل له قط: يا محمد، وإنما قال: " يأيها النبي " ، و " يأيها الرسول ". والحق سبحانه وتعالى في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها أراد أن يلفت نبيه صلى الله عليه وسلم إلى أن يعلم أنه يكفيه الله والمؤمنين مهما قل عددهم لينتصروا على الكفار. ثم يأتي النداء الثاني من المولى تبارك وتعالى في قوله: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ... }.