Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1419 هـ) مصنف و مدقق


{ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ }

أي كما اهتدى إبراهيم إلى أن عبادة الأصنام ضلال مبين فسيريه الله ملكوت السماوات والأرض ما دام قد اهتدى إلى أن هناك إلهاً حقًّا، فالإله الحق يبين له أسرار الكون. والملكوت صيغة المبالغة في الملك، مثلها مثل " رحموت ". وهي صيغة مبالغة من الرحمة، والملكوت تعطينا فهم الحقائق غير المشهودة، فالذي يمشي ورآء الأسباب المشهودة له يأخذ الملك لأن ما يشهده ويحسَّه هو أمامه، والملكوت هو ما يغيب عنه، إذن ففيه " ملك " ، وفيه " ملكوت " ، الملك هو ما تشاهده أمامك، والملكوت هو ما وراء هذا الملك. والمثال هو ما قاله سيدنا إبراهيم حينما تكلم على الشركاء لله قال سبحانه:فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ * ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ } [الشعراء: 77-81] ولنلحظ هنا أن الأساليب مختلفة، فهو يقول:ٱلَّذِي خَلَقَنِي } [الشعراء: 78] ولم يقل " الذي هو خلقني " ، ثم قالفَهُوَ يَهْدِينِ } [الشعراء: 78] لأن أحداً لم يدّع أبداً خلق الإنسان، وهي قضية مسلمة لله ولا تحتاج إلى تأكيد، أما هداية الناس فهناك من يدعي أنه يهدي الناس. وما يَدَّعَى من البشر يؤكد بـ " هو " وما لا يُدَّعَى من البشر كالخلق والإماتة والإحياء لا يؤتى فيه بكلمة هو. ويتابع سيدنا إبراهيم:وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } [الشعراء: 79] وهنا قفز سيدنا إبراهيم من كل الأسباب والحلقات الظاهرية إلى الحقيقة، وعرف الغيبوَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } [الشعراء: 80] وهو بذلك يميز بين الوسيلة للشفاء وهم الأطباء المعالجون والشافي الأعظم وهو الله - تبارك وتعالى - لأن الناس قد تفتن بالأسباب وتقول: إن الطبيب هو من يشفي، ولذلك ينتقل سيدنا إبراهيم من ظواهر الأسباب إلى بواطن الأمور، وينتقل من ظواهر الملك إلى باطن الملكوت حتى نعرف أن الطبيب يعالج ولكنه لا يشفي، بدليل أننا كثيراً ما رأينا من يذهب للطبيب ويعطيه الطبيب حقنة فيموت المريض، وبذلك يصير الطبيب في مثل هذا الموقف من وسائل الموت:
سبحان من يرث الطبيب وطبه   ويرى المريض مصارع الآسين
إذن، { فَهُوَ يَشْفِينِ } أي أن الشفاء من الله والعلاج من الطبيب. وبذلك جاء سيدنا إبراهيم بالأشياء التي يمكن أن يفتن الإنسان في أسبابها وأكدها بـ " هو ". وحين ننظر إلى إبراهيم عليه السلام في قصة العقيدة نجده قد أخذ سلطاناً كبيراً يعترف به جميع الأنبياء لأن ربنا قال فيه:وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ } [النجم: 37]. وكذلك قال سبحانه:وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً } [البقرة: 124]. أي أنك يا إبراهيم مأمون أن تكون إماماً للناس، وببشرية إبراهيم وبظاهر الملك.

السابقالتالي
2 3 4 5 6