Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1419 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }

وهذه حيثية أخرى لوجوب الحمد لله، أنْ يتصف سبحانه بصفة الكبرياء، والكبرياء هو العظمة والجلال والقهر، وأيضا الأسلوب هنا أسلوب قَصْر { وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ.. } [الجاثية: 37] يعني: له وحده، وهذه من أعظم نِعَم الله علينا حتى لا نكون عبيداً لغيره. فالله ما جعلك عبداً له إلا ليكفيك العبودية لغيره، ولولا هذا الكبرياء لله تعالى لكنّا عبيداً لكل ذي قوة ولكل مَنْ نحتاج إليه، حتى الحداد والنجار الذي يقضي لك مصلحة يمكن أنْ يستعبدك. إذن: معنى { وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ.. } [الجاثية: 37] كأنه يقول لك: اطئمن يا عبدي فلن تكون عبداً لغيري، فالعظمة والجلال والكبرياء لي وحدي وأنا لكم جميعاً، والخلق كلهم عيالي، وأحبُّهم إليَّ أرأفهم بعيالي. ألسْنا في المثل الشعبي نقول: اللي ملوش كبير يشترى له كبير، كذلك الحق سبحانه مع المؤمنين به، الذين يعبدونه وحده يكون في جانبهم يُيسِّر لهم أمورهم، ويقضي لهم حوائجهم، يستعينون به فُيعينهم ويلجأون إليه فيحميهم ويؤيدهم. إذن: هذه الصفة لله تعالى تُعدُّ من أعظم نِعمَه على عباده. والحديث القدسي يؤكد هذه الصفة لله تعالى وحده، فقال سبحانه في الحديث القدسي: " الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمَنْ نازعني واحداً منهما قذفتُه في النار ". لماذا؟ لأنه لم يخلق هذا الخَلْق ولا يُؤتمن عليه، لذلك الإنسان لا يتكبَّر على الخَلْق إلا إذا حُجبت نفسه عن استحضار كبرياء الحق سبحانه: إنما الذي يستحضر في نفسه دائماً كبرياء الله يستحي أنْ يتكبَّر، وأنْ ينازع ربَّه في هذه الصفة. والكبرياء مادتها كبر تقال بفتح الباء للدلالة على الكبر والزيادة في المادة، وبالضم تدل على العظَم، ومنه قوله تعالى:كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً } [الكهف: 5] في حادثة الإفك. والحق سبحانه أخبرنا أن من أسمائه تعالى الكبير ولم يَقُلْ الأكبر، مع أن الأكبر تعطي ميزة على الكبير، لكن جعلها الله تعالى صفة له في شعار الصلاة، فنقول: الله أكبر. لأنها تعني أن الصلاة تخرج من الكبير إلى الأكبر، وكأنه تعالى يريد أنْ يقول لنا: إن أعمال الحياة وحركتها شيء مهم وهو كبير لكن الله أكبر. ولأهمية العمل والسعي في حركة الحياة ترى أنه في سورة الجمعة أخرجك من العمل لتؤدي الصلاة، ثم بعد الصلاة أمرك بالعودة إلى السعي والعمل:يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ.. } [الجمعة: 9]. فأخذنا من قمة العمل وهو البيع ليعطينا الشحنة الإيمانية التي تُعيننا على الاستمرار في مسيرة الحياة، فلما انقضتْ الصلاة قال لنا:فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }

السابقالتالي
2 3