Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1419 هـ) مصنف و مدقق


{ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } * { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } * { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } * { إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }

هذا الكلام جاء من الحق - سبحانه وتعالى - للملائكة على سبيل الإخبار، لكن فهموا هم أنه استشارة، وأن الخالق سبحانه يستشيرهم في مسألة خَلق الإنسان لذلك قالوا ما قالوه، وكان عليهم أنْ يتنبهوا إلى أن المسألة مبتوتٌ فيها، وأنها قضية منتهية لأن الله أخبر بها بقوله: { إِنِّي خَالِقٌ.. } [ص: 71] هكذا بلفظ التوكيد. وهنا لا بُدَّ أنْ نشيرَ إلى أن البعض يحاول الاستدراك على كلام الله في مسألة خَلْق الإنسان من طين، يقولون: إن القرآن قال مرة: من طين. ومرة: من ماء. ومرة: من حمأ مسنون. ومرة: من صلصال، والواقع أن هذه مراحل للشيء الواحد وليست اختلاف بدايات مأخوذ منها، فالتراب حين يوضع على الماء يصير طيناً، فإذا تُرِكَ الطين حتى عطن وتغيَّرت رائحته، فهو الحمأ المسنون، فإذا جَفَّ وتصلَّب فهو صَلْصَال كالفخار. ولما خلق الله الإنسان خلقه من الطين، بمعنى أنه جامع لكل عناصر التربة السوداء والصفراء والرملية.. إلخ وقد توصَّل العلماء إلى أن هذه التربة هي الصالحة للزراعة، لأن الطينة أو التربة إنْ كانت متماسكة تمسك الماء تحت الجذر فيمور ويذبل النبات، وإن كانت رملية تسرب فيها الماء قبل أنْ يمتصَّه النبات. إذن: نحتاج إلى تربة بين بين، بحيث تمسك الماء بالقدر الذي يتيح للنبات أنْ يستفيد منه ويمتص عناصر الغذاء، ثم يتسرَّب الباقي فلا يضر بالجذور. كما توصل العلماء إلى أن عناصر جسم الإنسان عبارة عن 16 عنصراً، تبدأ بالأكسوجين بنسبة 67% وهي أعلى نسبة وتنتهي بالمنجنيز. وأن الطين يحتوي على نفس هذه العناصر الستة عشر، وهذا يثبت صدْق الحق سبحانه في خلْق الإنسان من الطين. ومعنى { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ.. } [ص: 72] يعني: صوَّرْتُ قالبه وشكله { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي.. } [ص: 72] يعني يصير مخلوقاً كاملاً تدبّ فيه الحياة ويتحرك { فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } [ص: 72] أي: خرّوا ساجدين، ليس سجودَ عبادة، إنما سجود طاعة لصاحب الأمر بالسجود. إذن: سجود الملائكة لم يكن لآدم ذاته، إنما كان لله الذي خلق آدم وأمر الملائكة أنْ تسجدَ له، ومعنى تسجد له كما تقول: أنا أسجد للقبْلة، فالسجود ليس للقبلة ذاتها إنما ناحيتها. { فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ } [ص: 73-74].