Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1419 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ }

قوله تعالى في الآية السابقةفَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } [يس: 11] لها موضع هنا، فالمغفرة والأجر الكريم في الآخرة، فناسب أنْ يُحدِّثنا الحق سبحانه عن مشهد من مشاهدها: { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ } [يس: 12]. قوله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ } [يس: 12] هذان ضميران للمتكلم على سبيل التعظيم، فإنَّا هي نحن، كما لو قلت: زيد زيد، فماذا أضافتْ نحن بعد إنَّا؟ القاعدة في صياغة اللغة أن تمييز الشيء يأتي حين يكون هناك اشتراك، فإنْ لم يكُنْ اشتراك فلا يأتي التمييز كما لو قُلْتَ لمن يطرق على بابك: مَنْ أنت؟ يقول: محمد، وأنت تعرف محمدين كثيرين. فتقول: أيُّ المحمدين أنت؟ فيقول: محمد أحمد، وأيضاً أنت تعرف كثيرين بهذا الاسم، فتقول: محمد أحمد مَنْ؟ فيقول: محمد أحمد محمود. وعندها يحصل التمييز لوجود الاشتراك في الأولى، وفي الثانية. فكأن الحق سبحانه لما قال { إِنَّا } [يس: 12] وليس هناك غيره قال: { إِنَّا نَحْنُ } [يس: 12] يعني: كأنه قال إنَّا إنَّا يعني: لا أحدَ سِوَاي، فليس في هذه المسألة اشتراك. وسبق أنْ أوضحنا أن كلام الله تعالى عن نفسه قد يأتي بصيغة الجمع كما فيإِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } [القدر: 1]. وقال:إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر: 9] وتلحظ أن الضمير هنا للتعظيم، وهكذا في كل الآيات التي تتحدث عن فعل من أفعاله تعالى، أو عن فضل من أفضاله، ذلك لأن كل فعل من أفعاله تعالى يحتاج إلى عدة صفات: يحتاج إلى علم، وإلى حكمة، وإلى قدرة.. الخ وكل هذه الصفات كامنة في نحن الدالة على العظمة المتكاملة في الأسماء الحسنى لله تعالى. أما حين يتكلم سبحانه عن الذات الواحدة، فيأتي بضمير المتكلم المفرد كما في:إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ } [طه: 14] ولم يقُلْ مثلاً: إننا نحن الله لأن إننا ونحن تدل على الجمع، والكلام هنا عن الوحدانية، فلا بُدَّ أنْ يأتي بصيغة المفرد. لذلك يؤكد الحق سبحانه هذه الوحدانية بعدة وسائل للتوكيد في قوله سبحانه:إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ } [طه: 14] فلم يَقُلْ سبحانه: فاعبدنا وأقم الصلاة لذكرنا، إنمافَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ } [طه: 14] لأن العبادة تكون لله وحده. قم إن عملية البعث وإحياء الموتى لله وحده لا يشاركه فيها أحد. وقال سبحانه { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ } [يس: 12] قبل { وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ } [يس: 12] مع أن الكتابة تسبق عملية الإحياء، الكتابة كانت في الدنيا، والإحياء في الآخرة، فلماذا؟ أولاً: عليك أن تلاحظ أن هذا الكلام ليس كلامك، إنما كلام الله، فلا بُدَّ أن تُعمِل عقلك لتفهم عن الله مراده لأن أسلوب الحق - سبحانه وتعالى - يحمل من الكمالات ما يناسب كماله سبحانه، وكلامك أنت يحمل ما يناسب كمالك.

السابقالتالي
2 3