Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1419 هـ) مصنف و مدقق


{ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }

قُصِّيه: يعني: تتبعي أثره، وراقبي سيره إلى إين ذهب؟ وماذا فُعِل به؟ وحين سمعت الأخت هذا الأمر سارعتْ إلى التنفيذ لذلك استخدم الفاء الدالة على التعقيب وسرعة الاستجابة { فَبَصُرَتْ بِهِ } [القصص: 11] ولم يقُلْ: فقصَّته لأن البصر وإنْ كان بمعنى الرؤية إلا أنه يدل على العناية والاهتمام بالمرئي. ومعنى: { عَن جُنُبٍ.. } [القصص: 11] من ناحية بحيث لا يراها أحد، ولا يشعر بتتبعها له، واهتمامها به. ومن ذلك ما حكاه القرآن من قول السامري:بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ.. } [طه: 96] أي: رأى من حيث لا يطَّلِع أحد عليه. ونلحظ هنا أن أخت موسى أخذتْ الأمر من أمها { قُصِّيهِ.. } [القصص: 11] فقط ولم تلفت نظرها إلى هذا الاحتياط { عَن جُنُبٍ.. } [القصص: 11] مما يدلُّ على ذكاء الفتاة وقيامها بمهمتها على أكمل وجه، وإن لم تُكلَّف بذلك، وهذا من حكمة المرسَل الحريص على أداء رسالته على وجهها الصحيح. ما أجملَ ما قاله الشاعر في هذا المعنى:
إذَا كُنْتَ في حَاجةٍ مُرْسِلاً   فأَرسِلْ حَكيماً ولاَ تُوصِهْ
وقوله تعالى: { عَن جُنُبٍ.. } [القصص: 11] يظن البعض أن جنب يعني قريب مني، وهذا غير صحيح لأن معنى الجنب ألاَّ تكون في مواجهتي، لذلك يقول تعالى:وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ.. } [النساء: 36] إذن: الجار الجنب مقابل الجار القريب، فمعناه الجار البعيد. فكأن الفتاة حين ذهبت لتتبع سَيْر التابوت أخذتْ مكاناً بعيداً منه، حتى لا يفطن أحد إلى متابعتها له. ومن ذلك قولنا: فلان تجنّبني، أو فلان واخد جنب مني أي: يبتعد عني، إذن: البعض يفهم هذه الكلمة على عكس مدلولها. ألاَ ترى لقول إبراهيم عليه السلام:وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ.. } [إبراهيم: 35] وقوله تعالى:وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ } [الحج: 3] فالاجتناب يعني: الابتعاد. وفي تحريم الخمر قال تعالى:إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ.. } [المائدة: 90] فطلع علينا مَنْ يقول: هذا ليس نصاً في التحريم، لأنه لم يقُلْ حرَّمْت عليكم، فهي مجرد موعظة ونصيحة. ونقول: لو فهمت معنىفَٱجْتَنِبُوهُ.. } [المائدة: 90] لعلمتَ أنها أقوى في التحريم من حرمت عليكم لأن معنى حرَّمتْ عليكم الخمر يعني: لا تشربوها، أمافَٱجْتَنِبُوهُ.. } [المائدة: 90] يعني: ابتعدوا عنها كليةً شُرْباً أو بَيْعاً، أو شراء، أو نقلاً، أو حتى الجلوس في مجالسها. ثم تتحدث الآيات بعد ذلك عن تمهيدات الأقدار للأقدار، فتقول: { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ... }.