Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1419 هـ) مصنف و مدقق


{ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ }

فالحق سبحانه وتعالى رد على الملائكة بهذه الآية الكريمة، لأنه علَّم آدم الأسماء كلها. وكلمة " كلها " تفيد الإحاطة، ومعنى الإحاطة معرفة كل شيء عن هذه الأسماء. هنا يتبادر سؤال: هل علَّم الله سبحانه وتعالى آدم الأسماء منذ ساعة الخلق إلى قيام الساعة ما دام الحق سبحانه وتعالى يقول كلها. فما هو حكم تلك الأسماء التي هي لمخترعات ستأتي بعد خلق آدم بقرون طويلة؟ نقول إن الله سبحانه وتعالى حين علم آدم الأسماء وميَّزه على الملائكة يكون قد أعطى ذلك الأدنى عنصراً ميزه عن المخلوق من عنصر أعلى. فآدم مخلوق من طين، والملائكة مخلوقون من نور. وقدرات البشر لا تستطيع أن تعطي الأدنى شيئاً أكثر من الأعلى. ولكن الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يعطي ذلك ليذكِّرنا أن ما نأخذه ليس بقدراتنا ولكن بقدرته هو سبحانه. ولذلك تجد سليمان وهو ملك ونبي أعطاه الله تعالى ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده وميَّزَه عن خلقه. يأتي الهدهد ليقول لسليمان:أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } [النمل: 22]. كيف يحيط الهدهد - وهو طائر ضعيف محدود - بما لم يحط به سليمان وهو الملك النبي الذي حكم الإنس والجن؟ لأن الله سبحانه وتعالى.. يكره الغرور من خلقه ولذلك يأتي بآية تميز الأدنى عن الأعلى ليعلموا جميعاً أن كل قدراتهم ليست بذاتهم.. وإنما هي من الله. فيأتي موسى وهو الرسول والنبي، فيتعلم من الخضر وهو العبد الصالح ما لم يكن يعلمه. وقد خلق الله سبحانه المسميات، وإن كنا لا نعرف وجودها وجعل الملائكة تتلقى أسماء هذه المسميات من آدم. وأن البعض يتساءل عن وسيلة تعليم الخالق الأكرم لآدم عليه السلام. وتعليم الخالق يختلف عن تعليم الخلق لأن الخالق يُعلِّمُ إلهاما. يقذف في قلب آدم أسماء المسميات كلها لكل ما في الكون من أسماء المخلوقات. إذن: فالمشهد الأول لآدم مع الملائكة كان قد تم إيجاد كل المسميات وألهمها الله لآدم بدليل أن الملائكة لم تتعرف على هذه المسميات، بينما عرفها آدم. وهنا لابد لنا من وقفة. إن الكلام هو ناتج السمع واللغة ناتج البيئة، والله سبحانه وتعالى علم آدم الأسماء. وهذا العلم لا يمكن أن يأتي إلا إذا كان آدم قد سمع من الله سبحانه وتعالى، ثم نطق. فأنت إذا أتيت بطفل عربي، وتركته في لندن مثلاً.. فتراه يتكلم الإنجليزية بطلاقة.. ولا يفهم كلمة واحدة من اللغة العربية. والعكس صحيح. إذا أتيت بطفل إنجليزي، وتركته في بلد عربي يتكلم العربية.. ولا يعلم شيئاً عن الإنجليزية. إذن: فاللغة ليست وراثة ولا جنساً ولا بيئة، ولكنها محاكاة يسمعها الإنسان فينطق بها.

السابقالتالي
2 3