Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1419 هـ) مصنف و مدقق


{ خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ }

والنطفة التي نجيء منها، وهي الحيوان المَنَويّ الذي يتزاوج مع البويضة الموجودة في رَحم المرأة فتنتج العلقة، وسبحانه القائل:أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ } [القيامة: 36-39]. بل إن القَذْفة الواحدة من الرجل قد يوجد فيها من الأنسال ما يكفي خَلْق الملايين ولا يمكن للعين المُجرَّدة أنْ ترى الحيوان المنويّ الواحد نظراً لِدقَّته المتناهية. وهذه الدقَّة المُتناهية لا يمكن أنْ تُرى إلا بالمجاهر المُكبّرة، ومطمور في هذا الحيوان المنويّ كُل الخصائص التي تتحد مع الخصائص المَطْمورة في بُويْضة المرأة ليتكوَّن الإنسان. وقد صدق العقاد - يرحمه الله - حين قال: " إن نصف كستبان الخياطة لو مُلِىء بالحيوانات المنوية لَوُلِد منه أنسال تتساوى مع تعداد البشر كلهم ". وقد شاء الحق سبحانه ألا ينفُذَ إلى البويضة إلا الحيوانُ المنويّ القوي لِيُؤكِّد لنا أنْ لا بقاءَ إلا للأصلح، فإنْ كان الحيوان المنويّ يحمل الصفات الوراثية لميلاد أنثى جاء المولود أنثى وإنْ كان يحمل الصفات الوراثية لميلاد الذَّكَر جاء المولود ذكراً. وأنت ترى مِثْل ذلك في النبات فأوَّل حبَّة قمح كانت مثل آدم كأول إنسان بالطريقة التي نعرفها وفي تلك الحبَّة الأولى أوجد الحق سبحانه مضمون كل حبوب القمح من بعد ذلك، وإلى أنْ تقومَ الساعة، وتلك عظمةُ الحق سبحانه في الخَلْق. وقد أوضح لنا الحق سبحانه في أكثر من موضع بالقرآن الكريم مراحل خَلْق الإنسان فهو:مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ } [السجدة: 8]. وهو من نطفة، ومن علقة، ثم مضغة مُخلَّقة وغير مُخلَّقة. والحيوان المنويّ المُسمَّى " نُطْفة " هو الذي يحمل خصائص الأنوثة أو الذكورة كما أثبت العلم الحديث، وليس للمرأة شَأْنٌ بهذا التحديد، وكأن في ذلك إشارةً إلى مهمة المرأة كسكَنٍ لأن البُويْضة تتلقَّى الحيوان المنويّ وتحتضنه ليكتمل النمو إلى أنْ يصير كائناً بشرياً:فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ } [المؤمنون: 14]. وهو الحق سبحانه القائل:أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً.. } [القيامة: 36-38]. والعلقة جاء اسمها من مهمتها، حيث تتعلق بجدار الرَّحمِ كما أثبت العِلْم المعاصر، يقول سبحانه:فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً.. } [المؤمنون: 14]. والمُضغْة هي الشيء المَمْضُوغ ثم يَصِف سبحانه المضغة بأنها:مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ.. } [الحج: 5]. ولقائل أن يتساءل: نحن نفهم أن المُضْغة المُخلَّقة فيها ما يمكن أن يصير عيناً أو ذراعاً ولكن ماذا عن غير المُخلّقة؟ ونقول: إنها رصيد احتياطيّ لصيانة الجسم، فإذا كنتَ أيها المخلوق حين تقوم ببناء بَيْت فأنت تشتري بعضاً من الأشياء الزائدة من الأدوات الصحية - على سبيل المثال - تحسُّباً لما قد يطرأ من أحداث تحتاج فيها إلى قطع غيار فما بالنا بالحق الذي خلق الإنسان؟ لقد جعل الله تلك المُضْغة غير المُخلَّقة رصيداً لصيانة، أو تجديداً لما قد يطرأ على الإنسان من ظروف وتكون زائدة في الجسم وكأنها مخزنٌ لقطع الغيار.

السابقالتالي
2