Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1419 هـ) مصنف و مدقق


{ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }

وهكذا يدلُّنا الحق سبحانه على أن الأرض قد خُلِقت على مراحل، ويشرح ذلك قوله سبحانه:قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ } [فصلت: 9-10]. وهكذا عَلِمنا أن جِرْم الأرض العام قد خُلِق أولاً وهو مخلوق على هيئة الحركة ولأن الحركة هي التي تأتي بالمَيدان - التأرجُّح يميناً وشمالاً - وعدم استقرار الجِرْم على وَضْع، لذلك شاء سبحانه أن يخلق في الأرض الرواسي لتجعلها تبدو ثابتة غير مُقلقة والرَّاسي هو الذي يَثبت. ولو كانت الأرض مخلوقة على هيئة الاستقرار لما خلق الله الجبال، ولكنه خلقَ الأرض على هيئة الحركة، ومنع أنْ تميدَ بخَلْق الجبال ليجعلَ الجبال رواسيَ للأرض. وفي آية أخرى يقول سبحانه:وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ.. } [النمل: 88]. وكلمة { وَأَلْقَىٰ } تدلُّ على أن الجبال شيء متماسك وُضِع ليستقر. ثم يعطف سبحانه على الجبال: { وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً.. } [النحل: 15]. ولم يَأْتِ الحق سبحانه بفعل يناسب الأنهار، ومن العجيب أن الأسلوب يجمع جماداً في الجبال، وسيولة في الأنهار، وسبلاً أي طرقاً، وكُلُّ ذلك: { لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [النحل: 15]. أي: أن الجَعْل كلَّه لعلنا نهتدي. ونعلم أن العرب كانوا يهتدون بالجبال، ويجعلون منها علامات، والمثَل هو جبل " هرشا " الذي يقول فيه الشاعر:
خُذُوا بَطْن هرشا أو قَفَاهَا فإنَّهُ   كِلاَ جَانِبي هرشا لَهُنَّ طَريقُ
وأيضاً جبل التوباد كان يُعتبر علامة. وكذلك قَوْل الحق سبحانه:وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ.. } [مريم: 52]. وهكذا نجد من ضمن فوائد الجبال أنها علاماتٌ نهتدي بها إلى الطرق وإلى الأماكن، وتلك من المهام الجانبية للجبال. أو: { لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [النحل: 15]. باتعاظكم بالأشياء المخلوقة لكم، كي تهتدوا لِمَنْ أوجدها لكم. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ... }.