Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1419 هـ) مصنف و مدقق


{ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ }

ونعلم أن في اللغة ألفاظاً تدل على الحَثِّ وعلى رغبة المُتكلِّم في أن يُوجِد السامع ما بعدها، ومن هذه الألفاظ " لولا " و " لوما ". و " لولا " تجيء للتمنِّي ورغبة ما يكون بعدها، وإن كان ما بعدها نفياً فهو رغبة منك ألا يكون، مثل قولك " لو جاء زيد لأكرمته " لكن لمجيء لم يحدث، وكذلك الإكرام. وقد قال الكفار هنا ما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم: { لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ.. } [الحجر: 7]. وسبق لهم أنْ قالوا:لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } [الفرقان: 7]. وكأنهم يطلبون نزول ملَك مع الرسول ليُؤنسه ولِيُصدّقوا أنه رسول من عند الله، فهل كان تصديقهم المُعلَّق على هذا الشرط تصديقاً للرسول، أم تصديقاً للملَك؟ وسبق أن تناول القرآنُ هذا الأمر في قول الحق سبحانه:وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً } [الإسراء: 94]. وكأنهم علَّقوا الإيمان بالرسول على شَرْط أنه ليس ملكاً بل من صنف البشر، وجاء الردّ عليهم:لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً } [الإسراء: 95]. إذن: فلو نزل رسول من السماء ملَكاً لَمَا استطاع أن يمشي في الأرض مطمئناً فضلاً عن أنه لا يمكن أن يكون أُسْوة وقدوة للبشر لأنه من جنس آخر غير البشر. ولو نزل عليهم ملك كما زعموا، وقال لهم: افعل ولا تفعل، واستقيموا واستغفروا، وسبِّحوه بُكْرة وأصيلا، لَردُّوا عليه قائلين أنت ملَكَ ينطبق عليك قول الحق:لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6]. وأنت لا تصلح أُسْوة لنا. ثم كيف يتكلمون مع ملَك وهو من طبيعة مختلفة، ولن يستطيع البشر أن يرتفعوا إلى مُسْتواه ليأخذوا منه، وهو لن يستطيع أن ينزلَ إلى مستوى البشرية ليأخذوا منه ولذلك شاء الحق سبحانه أن يرسل الرسول من جنس البشر. وهكذا أبطل الحق سبحانه حُجّتهم في عدم الإيمان بالرسول لأنه لم يأْتِ من جنس الملائكة وأبطل حُجّتهم في طلبهم أن ينزل مع الرسول ملائكة لِيُؤيّدوه في صِدْق بلاغه عن الله. ولذلك يقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ... }.