Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1419 هـ) مصنف و مدقق


{ ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ }

وما المناسبة التي يقول فيها الحق ذلك؟ لقد شاء الحق سبحانه أن يؤكد مسألة أن لكل قوم هادياً، وأن رسوله صلى الله عليه وسلم هو منذر، وأن طلبهم للآيات المعجزة هو ابنٌ لرغبتهم في تعجيز الرسول صلى الله عليه وسلم. ولو جاء لهم الرسول بآية مما طلبوها لأصرُّوا على الكفر، فهو سبحانه العَالِم بما سوف يفعلون، لأنه يعلم ما هو أخفى من ذلك يعلم - على سبيل المثال - ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد. ونحن نعلم أن كُلَّ أنثى حين يشاء الله لها أن تحبل فهي تحمل الجنين في رحمها لأن الرحم هو مُسْتقرُّ الجنين في بطن الأم. وقوله تعالى: { وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ.. } [الرعد: 8]. أي: ما تُنقص وما تُذهب من السَّقْط في أي إجهاض، أو ما ينقص من المواليد بالموت فغاضت الأرحام، أي: نزلتْ المواليد قبل أن تكتمل خِلْقتها كأن ينقص المولود عيناً أو إصبعاً أو تحمل الخِلْقة زيادة تختلف عما نألفه من الخَلْق الطبيعي كأن يزيد إصبع أو أن يكون برأسين. أو أن تكون الزيادة في العدد أي: أن تلد المرأة تَوْأماً أو أكثر، أو أن تكون الزيادة متعلقة بزمن الحَمْل. وهكذا نعلم أنه سبحانه يعلم ما تغيض الأرحام. أي: ما تنقصه في التكوين العادي أو تزيده، أو يكون النظر إلى الزمن كأن يحدث إجهاض للجنين وعمره يوم أو شهر أو شهران، ثم إلى ستة أشهر وعند ذلك لا يقال إجهاض بل يقال ولادة. وهناك مَنْ يولد بعد ستة شهور من الحمل أو بعد سبعة شهور أو ثمانية شهور وقد يمتد الميلاد لسنتين عند أبي حنيفة وإلى أربع سنوات عند الشافعي أو لخمس سنين عند الإمام مالك، ذلك أن مدة الحمل قد تنقص أو تزيد. ويُقال: إن الضحاك وُلِد لسنتين في بطن أمه، وهرم بن حيان وُلِد لأربع سنين وظل أهل أمه يلاحظون كِبَر بطنها واختفاء الطَّمْث الشهري طوال تلك المدة ثم ولدتْ صاحبنا ولذلك سموه " هرم " أي: شاب وهو في بطنها. وهكذا نفهم معنى " تغيض " نَقْصاً أو زيادة سواء في الخِلْقة أو للمدة الزمنية. ويقول الحق سبحانه: { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } [الرعد: 8]. والمقدار هو الكمية أو الكيف زماناً أو مكاناً، أو مواهب ومؤهلات. وقد عَدَّد الحق سبحانه مفاتيح الغيب الخمس حين قال:إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ.. } [لقمان: 34]. وقد حاول البعض أن يقيموا إشكالاً هنا، ونسبوه إلى الحضارة والتقدم العلمي، وهذا التقدم يتطرق إليه الاحتمال، وكل شيء يتطرق إليه الاحتمال يبطل به الاستدلال، وذلك بمعرفة نوعية الجنين قبل الميلاد، أهو ذكر أم أنثى؟ وتناسَوْا أن العلم لم يعرف أهو طويل أم قصير؟ ذكي أم غبي؟ شقي أم سعيد؟ وهذا ما أعجز الأطباء والباحثين إلى اليوم وما بعد اليوم.

السابقالتالي
2