Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ } * { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } * { وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }

قال الآلوسى قوله تعالى { أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً... } تحريض على القتال بأبلغ وجه -، لأن الاستفهام فيه للإِنكار، والاستفهام الإِنكارى فى معنى النفى، وقد دخل هنا على نفى، ونفى النفى إثبات. وحيث كان الترك منكراً أفاد بطريق برهانى أن إيجاده أمر مطلوب مرغوب فيه، فيفيد الحث والتحريض عليهم. بأقوى الأدلة، وأسمى الأساليب. وقد ذكر - سبحانه - هنا ثلاثة أسباب كل واحد منها يحمل المؤمنين على قتال المشركين بغلظة وشجاعة. أما السبب الأول فهو قوله تعالى { نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ } أى نقضوا عهودهم وحنثوا فى أيمانهم التى حلفوها لتأكيد هذه العهود. ومن مظاهر ذلك أن هؤلاء المشركين الذين تعاهدوا معكم فى صلح الحديبية على ترك القتال عشر سنين. قد نقضوا عهودهم بمساعدة حلفائهم بنى بكر على قتال حلفائكم بنى خزاعة عند أول فرصة سنحت لهم. والسبب الثانى قوله. سبحانه. { وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ } والهم المقاربة من الفعل من غير دخول فيه. أى وهموا بإخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة التى ولد فيها وعاش بها زمنا طويلا.. لكنهم لم يستطيعوا ذلك، بل خرج باختيار. وبإذن الله له فى الهجرة. وقد فصل سبحانه. ما هموا به فى قولهوَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ } وإنما اقتصر، سبحانه، فى الآية التى معنا على همهم بإخراجه. صلى الله عليه وسلم. من مكة، مع أن آية الأنفال قد بينت أنهم قد هموا بأحد أمور ثلاثة - لأن الإِخراج هو الذى وقع أثره فى الخارج بحسب الظاهر، أما القتل والحبس فلم يكن لهما أثر فى الخارج. وقيل إنه سبحانه. قد اقتصر على الأدنى وهو الهم بالإِخراج، ليعلم غيره بالطريق الأولى، إذ الإِخراج أهون من القتل والحبس. وأما السبب الثالث فهو قوله. سبحانه. { وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أى وهم الذين كانوا بادئين بقتالكم فى أول لقاء بينكم وبينهم وهو يوم بدر، كما كانوا بادئين بالعدوان عليكم فى كل قتال بعد ذلك، كما حدث منهم فى أحد والخندق وكما حدث منهم مع حلفائكم من بنى خزاعة. قال صاحب الكشاف قوله { وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أى وهم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءهم أولا بالكتاب المنير، وتحداهم به، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال. فهم البادئون بالقتال والبادئ أظلم، فما يمنعكم من أن تقابلوهم بمثله، وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم؟ فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد ذكرت ثلاثة أمور كل واحد منها كفيل بحمل المؤمنين على قتال المشركين.. فكيف وقد توفرت هذه الأمور الثلاثة فى هؤلاء المشركين؟.

السابقالتالي
2 3