Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } * { إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } * { وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ }

قوله { إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا } بدل من قولهيَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } أو معمول لفعل محذوف. والتقدير اذكروا. والعدوة - مثلثة العين - جانب الوادى وحافته. وهى من العدو بمعنى التجاوز سميت بذلك لأنها عدت.. - أى منعت - ما فى الوادى من ماء ونحوه أن يتجاوزها. والدنيا تأنبث الأدنى بمعنى الأقرب. والقصوى تأنيث الأقصى بمعنى الأبعد والركب اسم جمع لراكب، وهم العشرة فصاعدا من راكبى الإِبل. قال القرطبى ولا تقول العرب ركب إلا للجماعة الراكبى الإِبل.. والمراد بهذا الركب أبو سفيان ومن معه من رجال قريش الذين كانوا قادمين بتجارتهم من بلاد الشام ومتجهين بها إلى مكة، فلما بلغ النبى - صلى الله عليه وسلم - أمرها، أشار على أصحابه بالخروج لملاقاته، كما سبق أن بينا عند تفسيرنا لقوله - تعالى -كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ.. } والمعنى اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن خرجتم إلى بدر، فسرتم إلى أن كنتم { بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا } أى بجانب الوادى وحافته الأقرب الى المدينة، وكان اعداؤكم الذين قدموا لنجدة العير { بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ } أى بالجانب الآخر الأبعد من المدينة، وكان أبو سفيان ومن معه من حراس العير { أَسْفَلَ مِنكُمْ } أى فى مكان أسفل من المكان الذى أنتم فيه، بالقرب من ساحل البحر الأحمر، على بعد ثلاثة أميال منكم. قال الجمل قوله { وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ } الأحسن فى هذه الواو، والواو التى قبلها الداخلة على { هُم } أن تكون عاطفة ما بعدها على { أَنتُمْ } لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوهم ويجوز أن يكونا واو حال، واسفل منصوب على الظرف النائب عن الخبر، وهو فى الحقيقة صفة لظرف مكان محذوف. أى والركب فى مكان أسفل من مكانكم وكان الركب على ثلاثة أميال من بدر.. " وقال الإِمام الزمخشرى - رحمه الله - فإن قلت ما فائدة هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين، وأن العير كانت أسفل منهم؟. قلت الفائدة فيه الإِخبار عن الحال الدالة على قوة الشأن للعدو، وتكامل عدته، وتمهد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين، والتياث أمرهم، وأن غلبتهم فى هذه الحال ليس إلا صنعا من الله - سبحانه - ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته. وذلك أن العدوة القصوى التى أناخ بها المشركون، كان فيه الماء، وكانت أرضا لا بأس بها. ولا ماء العدوة الدنيا، وهى خبار - أى أرض لينة رخوة - تسوخ فيها الأرجل، ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة. وكانت العير وراء ظهور العدو، مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم، وتشحذ فى المقاتلة عنها نياتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم، ليبعثهم الذب عن الحريم على بذل جهودهم فى القتال.

السابقالتالي
2 3 4 5