Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى

{ وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } * { وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ } * { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } * { فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } * { وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ }

ولفظ { ٱلسَّمَآءَ... } منصوب على الاشتغال. أى وبنينا السماء بنيناها { بِأَييْدٍ } أى بقوة وقدرة. يقال آد الرجل يئيد - كباع - إذا اشتد وقوى. { وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } أى وإنا لقادرون على توسعتها بتلك الصورة العجيبة من الوسع بمعنى القدرة والطاقة، يقال أوسع الرجل، أى صار ذا سعة، والمفعول محذوف، أى وإنا لموسعون السماء، أو الأرزاق. فالجملة تصوير بديع لمظاهر قدرة الله، وكمال قوته، وواسع فضله. { وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا } أى وفرشنا الأرض بقدرتنا - أيضا -، بأن مهدناها وبسطناها وجعلناها صالحة لمنفعتكم وراحتكم. { فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ } نحن، يقال مهدت الفراش، إذا بسطته ووطأته وحسنته. وفى هاتين الآيتين ما فيهما من الدلالة على قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده، حيث أوجد هذه السماء الواسعة التى تعتبر الأرض بما فيها كحلقة فى فلاة بالنسبة لها، فهى تحوى مئات الملايين من النجوم المتناثرة فى أرجائها.. وأوجد - سبحانه - الأرض لتكون موطنا للإِنسان، ومنزلا لراحته. ثم قال - تعالى - { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } أى نوعين متقابلين كالذكر والأنثى. والليل والنهار، والسماء والأرض، والغنى والفقر، والهدى والضلال. { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أى فعلنا ذلك لعلكم تعتبرون وتتعظون وتتذكرون ما يجب عليكم نحونا من الشكر والطاعة وإخلاص العبادة لنا وحدنا. والفاء فى قوله { فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ.. } للتفريع على قوله - تعالى - { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ، أى ما دام الأمر كما ذكرت لكم من وجود التذكر والاعتبار، ففروا إلى الله من معصيته إلى طاعته، ومن كفره إلى شكره، ومن السيئات إلى الحسنات. قال الإِمام الرازى ما ملخصه وفى هذا التعبير لطائف لأنه ينبىء عن سرعة الإِهلاك، كأنه يقول الاهلاك والعذاب أسرع وأقرب، من أن يحتمل الحال الإِبطاء فى الرجوع. فافزعوا سريعا إلى الله - تعالى - وفروا إلى طاعته، فإنه لا مهرب منه. وقوله { إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } تعليل للأمر بالفرار، أى أسرعوا إلى طاعة الله - تعالى - إنى لكم من عقابه المعد لمن يصر على معصيته نذير بَيّن الإِنذار. ثم أكد - سبحانه - هذا الإِنذار، ونهى عن التقاعس فقال { وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ } أى واحذروا أن تجعلوا مع الله - تعالى - إلها آخر، فى العبادة أو الطاعة { إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ } - سبحانه - { نَذِيرٌ مُّبِينٌ }. فالآية الأولى كان التعليل فيها للأمر بالفرار إلى الله - تعالى - والثانية كان التعليل فيها للنهى عن الإِشراك به - سبحانه -. وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة، قد بينت جانبا من الدلائل على قدرة الله - تعالى - وأمرت الناس بإخلاص العبادة لله، ونهت عن الإِشراك به. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان مواقف الأقوام من رسلهم، وببيان الوظيفة التى أوجد الله - تعالى - الناس من أجلها فقال { كَذَلِكَ مَآ.. }.