Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } * { لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } * { أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } * { مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ }

قال الفخر الرازى اعلم أنه - تعالى - لما استقصى الكلام مع اليهود، شرع ههنا فى الكلام مع النصارى، فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا إن الله هو المسيح بن مريم. وهذا هو قول اليعقوبية لأنهم يقولون إن مريم ولدت إلها، ولعل معنى هذا المذهب أنهم يقولون إن الله - تعالى - حل فى ذات عيسى واتحد بذات عيسى. واللام فى قوله { لَقَدْ كَفَرَ } واقعة جواباً لقسم مقدر. والمراد بالكفر ستر الحق وإنكاره والانغماس فى الباطل والضلال. أى اقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا إن الله المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح ابن مريم. وقد أكد - سبحانه - كفرهم بالقسم المقدر لأنهم غالوا فى إطراء عيسى وفى وضعه فى غير موضعه كما غالت اليهود فى الكفر به وفى وصفه بالأوصاف التى هو برئ منها. ثم حكى - سبحانه - ما قاله عيسى فى الرد على من جعلوه إلها فقال { وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ }. أى وقال المسيح مكذبا لمن وصفه بالألوهية يا بنى إسرائيل اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، فهو ربى الذى خلقنى وتعهدنى بالتربية والرعاية، وهو ربكم - أيضاً - الذى أنشأكم وأوجدكم ورزقكم من الطيبات. والواو فى قوله { وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ } للحال. والجملة حالية من الواو التى هى فاعل { قالوا }. أى قالوا ما قالوا، والحال أن عيسى قد تبرأ مما قالوه. وقال لبنى إسرائيل حين إرساله إليهم اعبدوا الله ربى وربكم. وقوله { رَبِّي وَرَبَّكُمْ } تنبيه إلى ما هو الحجة القاطعة على فساد قولهم المذكور لأن عيسى لم يفرق بينه وبين غيره فى العبودية لله - تعالى - لأنه - سبحانه - هو الخالق له ولهم وللكل شىء. ثم حكى - سبحانه - ما قاله عيسى محذراً من الإِشراك فقال { إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ }. وهذه الجملة تعليل للأمر بعبادة الله وحده. والضمير المقترن بإن ضمير الشأن والمراد بتحريم الجنة على المشرك منعه من دخولها، لإِشراكه مع الله آلهة أخرى. والمأوى المكان الذى يأوى إليه الإِنسان. أى يرجع إليه ويستقر فيه. أى قال المسيح لبنى إسرائيل اعبدوا الله ربى وربكم، لأنه أى الحال والشأن { مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ } شيئاً فى عبادته - سبحانه - { فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ } أى منعه من دخولها، بسبب شركه وكفره، وجعل { وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ } أى جعل مستقره ومكانه النار بدل الجنة { وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } ينصرونهم بأن ينقذوهم مما هم فيه من بلاء وشقاء مقيم. فالجملة الكريمة تحذير شديد من الإِشراك بالله، وبيان لما سيؤول إليه حال المشركين من تعاسة وشقاء.

السابقالتالي
2 3 4 5 6