Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ } * { وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ }

المراد بالميثاق فى قوله { لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ } العهد الموثق الذى أخذه الله عليهم بواسطة أنبيائهم بأن يؤدوا ما كلفهم به من تكاليف وأن يتبعوا النبى صلى الله عليه وسلم عند ظهوره. وقد أكد الله هذا الميثاق الذى أخذه عليهم بلام القسم وبقد المفيدة للتحقيق أى بالله لقد أخذنا الميثاق على بنى إسرائيل بأن يعبدونى ولا يشركون بى شيئاً، وبأن ينفذوا ما كلفتهم به من المأمورات والمنهيات والشرائع والأحكام. وقوله { وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً } معطوف على { أَخَذْنَا } والتنكير فى قوله { رُسُلاً } للتكثير والتعظيم. أى أخذنا العهد المؤكد عليهم بأن يسيروا على الطريق المستقيم، وأرسلنا إليهم رسلا ذوى عدد كثير، وأولى شأن خطير، لكى يتعهدوهم بالتبشير والانذار، ولكى يرشدوهم إلى ما يأتون وما يذرون من أمور دينهم. فأنت ترى أن الله - تعالى - مع أخذه الميثاق عليهم لم يتركهم هملا، بل أرسل إليهم الرسل ليعينوهم على تنفيذ ما جاء به. ولم يذكر - سبحانه - هنا موضوع هذا الميثاق، اكتفاء بذكره فى مواطن أخرى كثيرة. ومن ذلك قوله - تعالى - قبل ذلك فى هذه السورة.وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } الآية. وقوله تعالى فى سورة البقرةوَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ } الآية. وقوله { كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ } بيان لموقفهم الذميم من الميثاق الذى أخذ عليهم ومن الرسل الكرام الذين أرسلهم الله لهدايتهم وسعادتهم. أى أخذنا الميثاق المؤكد عليهم، وأرسلنا إليهم رسلا كثيرين لهدايتهم ولكنهم نقضوا الميثاق، وعصوا الرسل، فكانوا { كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ } لما لا تشتهيه نفوسهم الشقية، وبما لا تميل إليه قلوبهم الردية، ناصبوه العداء فكذبوا بعض الرسل، ولم يكتفوا مع البعض الآخر بالتكذيب بل أضافوا إليه القتل. ولقد كذب اليهود جميع الرسل الذين جاءوا لهدايتهم ولم يؤمن بهم إلا قلة منهم. وقتلوا من بين من قتلوا من الرسل بعد أن كذبهم زكريا ويحيى، وحاولوا قتل عيسى - عليه السلام - كما حاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن الله - تعالى - نجاهما من مكرهم وكيدهم. قال صاحب الكشاف وقوله { كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ } جملة شرطية وقعت صفة لقوله { رُسُلاً } والرابط محذوف أى رسول منهم { بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ } أى بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم. فإن قلت أين جواب الشرط قلت هو محذوف يدل عليه { فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ } فكأنه قيل كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه ".

السابقالتالي
2 3 4 5