Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ } * { فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } * { يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ } * { كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ } * { يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ } * { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } * { فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } * { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } * { فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ }

أى إن الذين اتقوا الله - تعالى - وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضيه سيكونون يوم القيامة { فِي مَقَامٍ أَمِينٍ } أى فى مكان يأمن معه صاحبه من كل خوف. فالمراد بالمقام - بالفتح - موضع القيام، أى الثبات والملازمة. وقرأ ابن عامر ونافع، { مَقَامٍ } - بضم الميم - أى موضع الإِقامة. والمراد أنهم فى مكان أو مجلس لا خوف فيه ولا مكروه. وقوله { فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } بدل من { مَقَامٍ أَمِينٍ } بأعادة حرف الجر أى هم فى مكان آمن، تتوسطه وتحيط به البساتين الناضرة، وعيون الماء المتفجرة. { يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ } والسندس هو أجود أنواع الحرير وأرقه، واحدة سندسة. { وَإِسْتَبْرَقٍ } وهو ما كان سميكا من الديباج والحرير. { مُّتَقَابِلِينَ } أى يجلسون فى مجالس متقابلة، بحيث ينظر بعضهم إلى بعض. { كَذَلِكَ } أى الأمر كذلك. من أن المتقين لهم كل هذا النعيم. { وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ } أى وزوجناهم بنساء يحار الطرف فيهم لجمالهن وحسنهن، والحور جمع حوراء.. وهى التى يحار الطرف فيها لفرط جمالها. والعين جمع عيناء. وهى التى اتسعت عينها فى حسن وجمال. { يَدْعُونَ فِيهَا } أى فى الجنات { بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ }. أى يطلبون ويأمرون غيرهم بأن يحضر لهم كل ما يشتهونه من فاكهة أو غيرها، فيلبى طلبهم وهم آمنون فى أماكنهم من كل خوف أو ضرر. ثم بين - سبحانه - أن بقاءهم فى تلك الجنات بقاء دائم فقال { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ }. أى هم باقون بقاء دائما فى تلك الجنات، بحيث لا يموتون فيها أبدا، إلا الموتة الأولى التى ذاقوها عند نهاية آجالهم فى الدنيا، ووقاهم - سبحانه - بعدها عذاب الجحيم، الذى حل بالكافرين. قال الآلوسى وقوله { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ } جملة مستأنفة أو حالية، وكأنه أريد أن يقال لا يذوقون فيها الموت البتة، فوضع الموتة الأولى موضع ذلك، لأن الموتة الماضية محال ذوقها فى المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها فى المستقبل فإنهم يذوقونها. ونظيره قول القائل لمن يستسقيه لا أسقيك إلا الجمر، وقد علم أن الجمر لا يسقى. وقوله { فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ } أى أعطوا كل ذلك فضلا من ربك، فقوله { فَضْلاً } منصوب على المصدرية بفعل محذوف. أو على أنه مفعول لأجله. أى لأجل الفضل منه - سبحانه -. { ذَلِكَ } الذى أعطيناهم إياه { هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } الذى لا يدانيه ولا يساميه فضل. { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ } أى فإنما أنزلناه عليك - يا محمد - هذا القرآن وجعلناه بلغتك ولغة قومك { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ما فيه من هدايات ويعتبرون بما اشتمل عليه من عبر وعظات. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله { فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ }. أى فعلنا ذلك لعلهم يتذكرون، فإن لم يتذكروا ويتعظوا ويؤمنوا بما جئتهم به. فارتقب وانتظر ما يحل بهم من عذاب، وما وعدناك به من النصر عليهم، إنهم - أيضا - منتظرون ومرتقبون ما يحل بك من موت أو غيره. ونحن بفضلنا ورحمتنا سنحقق لك ما وعدناك به، وسنخيب ظنونهم وآمالهم. وبعد فهذا تفسير وسيط لسورة " الدخان ". نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.