Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } * { وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً } * { يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً }

وقوله - تعالى - { يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ } استئناف مقرر لما سبق من الأحكام، وقد ساقه - سبحانه - لإِيناس قلوب المؤمنين حتى يمتثلوا عن اقتناع وتسليم لما شرعه الله لهم من أحكام. قال الآلوسى ومثل هذا التركيب - قوله { يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ }. وقع فى كلام العرب قديما وخرجه النحاة على مذاهب فقيل مفعول { يُرِيدُ } محذوف أى يريد الله تحليل ما أحل وتحريم ما حرم ونحوه. واللام للتعليل... ونسب هذا إلى سيبويه وجمهور البصريين. فتعلق الإِرادة غير التبيين، وإنما فعلوه لئلا يتعدى الفعل إلى مفعوله المتأخر عنه باللام وهو ممتنع أو ضعيف. وذهب بعض البصريين إلى أن الفعل مؤول بالمصدر من غير سابك، كما قيل به فى قولهم " تسمع بالمعيدى خير من أن تراه " أى إرادتى كائنة للتبين. وفيه تكلف. وذهب الكوفيون إلى أن اللام هى الناصبة للفعل من غير إضمار أن، وهى وما بعدها مفعول للفعل المقدم أى يريد الله البيان لكم. والمعنى يريد الله - تعالى - بما شرع لكم من أحكام، وبما ذكر من محرمات ومباحات أن يبين لكم ما فيه خيركم وصلاحكم وسعادتكم، وأن يميز لكم بين الحلال والحرام والحسن والقبيح. وقوله { وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } معطوف على ما قبله. والسنن جمع سنة وهى الطريقة وفى أكثر استعمالها تكون للطريقة المثلى الهادية إلى الحق. أى ويهديكم مناهج وطرائق من تقدمكم من الأنبياء والصالحين، لتقتفوا آثارهم وتسلكوا سبيلهم. وليس المراد أن جميع ما شرعه من حلال أو من حرام كان مشروعا بعينه للأمم السابقة. بل المراد أن الله كما قد شرع للأمم السابقة من الأحكام ما هم فى حاجة إليه وما اقتضته مصالحهم، فكذلك قد شرع لنا ما نحن فى حاجة إليه وما يحقق مصالحنا، فإن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة فى ذاتها إلا أنها متفقة فى باب المصالح. وقوله { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } معطوف على ما قبله. والتوبة معناها ترك الذنب مع الندم عليه والعزم على عدم العود، وذلك مستحيل فى حقه - سبحانه - لذا قالوا المراد بها هنا المغفرة لتسببها عنها. أو المراد بها قبول التوبة. أى ويقبل توبتكم متى رجعتم إليه بصدق وإخلاص، فقد تكفل - سبحانه - لعباده أن يغفر لهم خطاياهم متى تابوا إليه توبة صادقة نصوحا وفى التعبير عن قبول التوبة بقوله { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } إشارة إلى ما يتضمنه معنى قبول التوبة من ستر للذنوب، ومنع لكشفها، فهى غطاء على المعاصى يمنعها من الظهور حتى يذهب تأثيرها فى النفس فالآية الكريمة تحريض على التوبة، لأن الوعد بقبولها متى كانت صادقة يغرى الناس.

السابقالتالي
2 3