Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } * { بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ } * { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ } * { لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } * { قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ } * { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ } * { وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ } * { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } * { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } * { وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }

ذكر بعض المفسرين أن كفار مكة سألوا النبى صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة، فنزل قوله - تعالى - { قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ.. }. والغيب مصدر غاب يغيب، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب، ومعناه مالا تدركه الحواس، ولا يعلم ببداهة العقل. و " من " اسم موصول فى محل رفع على أنه فاعل " يعلم " و " الغيب " مفعوله فيكون المعنى قل - أيها الرسول الكريم - لكل من سألك عن موعد قيام الساعة لا يعلم أحد من المخلوقات الكائنة فى السموات والأرض، الغيب إلا الله - تعالى - وحده، فإنه هو الذى يعلمه. ويجوز أن يكون لفظ " من " فى محل نصب على المفعولية و " الغيب " بدل منه، ولفظ الجلالة " الله " فاعل " يعلم " فيكون المعنى قل لا يعلم الأشياء التى تحدث فى السموات والأرض الغائبة عنا، إلا الله - تعالى -. قال القرطبى وفى صحيح مسلم عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم يعلم ما فى غد، فقد أعظم على الله الفرية ". وقوله - سبحانه - { وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } تأكيد لانفراد الله - تعالى - بعلم الغيوب، ولفظ " أيان " ظرف زمان متضمن معنى متى. أى وما يشعر هؤلاء الكافرون الذين سألوا عن وقت قيام الساعة، ولا غيرهم، متى يكون بعثهم من قبورهم للحساب، إذ علم وقت قيام الساعة لا يعلمه إلى الله وحده. فالجملة الكريمة تنفى عنهم العلم بموعد قيام الساعة فى أدق صورة وأخفاها، فهم لا يشعرون ولا يحسون بقيام الساعة،بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } ثم بين - سبحانه - حقيقة أمرهم فى الآخرة بصورة أكثر تفصيلا. فقال { بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ.. }. وقوله - تعالى - { بَلِ ٱدَّارَكَ... } قرأه الجمهور - بكسر اللام وتشديد الدال وبعدها ألف - وأصله تدارك، بزنة تفاعل. وللعلماء فى تفسير هذه الآية أقوال أشهرها أن التدارك بمعنى الاضمحلال والفناء، وأصله التتابع والتلاحق. يقال تدارك بنو فلان، إذا تتابعوا فى الهلاك، و " فى " بمعنى الباء. أى بل تتابع علم هؤلاء المشركين بشئون البعث حتى اضمحل وفنى، ولم يبق لهم علم بشىء مما سيكون فيها قطعا مع توافر أسبابه ومباديه من الدلائل. والمقصود أن أسباب علمهم بأحوال الآخرة مع توافرها قد تساقطت من اعتبارهم لكفرهم بها، فَأُجْرِى ذلك مُجْرَى تتابعها فى الانقطاع. ومنهم من يرى أن التدارك هنا التكامل، فيكون المعنى بل تكامل علمهم بشئون الآخرة، حين يعاينون ما أعد لهم فيها من عذاب، بعد أن كانوا ينكرون البعث والحساب فى الدنيا.

السابقالتالي
2 3 4