Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ } * { قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ } * { قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } * { قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ } * { قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } * { فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ } * { ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ }

أى وحين رجع القوم من عيدهم ورأوا ما حل بأصنامهم " قالوا " على سبيل التفجع والإِنكار " من فعل هذا " الفعل الشنيع " بآلهتنا " التى نعظمها " إنه " أى هذا الفاعل " لمن الظالمين " لهذه الآلهة. لإِقدامه على إهانتها وهى الجديرة بالتعظيم - فى زعمهم -، ولمن الظالمين لنفسه حيث سيعرضها للعقوبة منا. { قَالُواْ } أى بعضهم وهم الذين سمعوا من إبراهيم قولهوَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ } { سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ } والمراد بالذكر هنا الذكر بالسوء والذم. أى سمعنا فتى يذكرهم بالنقص والذم والتهديد بالكيد، وهذا الفتى يقال له إبراهيم، ولعله هو الذى فعل بهم ما فعل. وهنا تشاوروا فيما بينهم وقالوا. إذا كان الأمر كذلك { فَأْتُواْ بِهِ } وأحضروه { عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ } أى أمام أعينهم ليتمكنوا من رؤيته على أتم وجه { لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } مساءلتنا له. ومواجهتنا إياه بالعقوبة التى يستحقها على فعله هذا، أو يشهدون عليه بأنه هو الذى حطم الأصنام. قال ابن كثير وكان هذا هو المقصود الأكبر لإِبراهيم، أن يتبين فى هذا المحفل العظيم، كثرة جهلهم، وقلة عقلهم، فى عبادة هذه الأصنام، التى لا تدفع عن نفسها ضرا، ولا تملك لها نصرا.. ". وجاءوا بإبراهيم - عليه السلام - وقالوا له على سبيل الاستنكار والتهديد " أأنت فعلت هذا " التكسير والتحطيم " بآلهتنا " التى نعبدها " يا إبراهيم "؟ وهنا يرد عليهم إبراهيم - عليه السلام - بتهكم ظاهر، واستهزاء واضح فيقول { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا } يعنى الذى تركه بدون تحطيم، فإن كنتم لم تصدقوا قولى { فَاسْأَلُوهُمْ } عمن فعل بهم ذلك { إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } أى إن كانوا ممن يتمكن من النطق أجابوكم وأخبروكم عمن فعل بهم ما فعل. فأنت ترى أن إبراهيم - عليه السلام - لم يقصد بقوله هذا الإِخبار بأن كبير الأصنام هو الذى حطمها، أو سؤالهم للأصنام عمن حطمها، وإنما الذى يقصده هو الاستهزاء بهم، والسخرية بأفكارهم، فكأنه يقول لهم إن هذه التماثيل التى تعبدونها من دون الله. لا تدرى إن كنت أنا الذى حطمتها أم هذا الصنم الكبير، وأنتم تعرفون أنى قد بقيت قريبا منها بعد أن وليتم عنها مدبرين، وإذا كان الأمر كذلك فانظروا من الذى حطمها إن كانت لكم عقول تعقل؟ قال صاحب الكشاف هذا - أى قول إبراهيم لهم بل فعله كبيرهم هذا - من معاريض الكلام، ولطائف هذا النوع لا يتغلغل فيها إلا أذهان الخاصة من علماء المعانى. والقول فيه أن قصد إبراهيم - عليه السلام - لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنما قصد تقريره لنفسه، وإثباته لها على أسلوب تعريضى، يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم.

السابقالتالي
2