Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ } * { ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ }

روى الواحدى فى أسباب النزول عن ابن عباس أن الله - تعالى - لما أنزل قوله - تعالى -إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ } وقوله - تعالى -مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً } لما نزل قال المشركون أرأيتم أى شىء يصنع بهذا؟! فأنزل الله { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا... }. وروى عن الحسن وقتادة أن الله لما ذكر الذباب والعنكبوت فى كتابه وضرب بهما المثل ضحك اليهود وقالوا ما يشبه أن يكون هذا من كلام الله! فأنزل الله هذه الآية { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى }. إلخ. وقال السدى لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعنى قوله تعالىمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً... } وقوله تعالىأَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } قال المنافقون الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال! فأنزل الله هذه الآية ويبدو أن الآية الكريمة قد نزلت للرد على جميع تلك الفرق الضالة، فقد قرر العلماء أن لا مانع من تعدد أسباب النزول للآية الواحدة أو للطائفة من الآيات. والاستحياء والحياء واحد، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استقدم واستأجر واستجاب. وهو فى أصل اللغة انقباض النفس وانكسارها من خوف ما يعاب به ويذم. وهذا المعنى غير لائق بجلال الله، لذا ذهب جمع من المفسرين إلى تأويله بإرادة لازمه، وهو ترك ضرب الأمثال بها. والمعنى إن الله لا يترك أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها، وإطلاق الفعل كالاستحياء على ما يترتب عليه كترك الفعل، مألوف فى الكلام البليغ حيث يكون المراد واضحاً. ومذهب السلف إمرار هذا وأمثاله على ما ورد، وتفويض علم كنهه وكيفيته إلى الله - تعالى - مع وجوب تنزيهه عما لا يليق بجلاله من صفات المحدثات. أى ليس الحياء بمانع لله - تعالى - من ضرب الأمثال بهذه المخلوقات الصغيرة فى نظركم كالبعوض والذباب والعنكبوت، فإن فيها من دلائل القدرة، وبدائع الصنعة ما تحار فيه العقول، ويشهد بحكمة الخالق. والمثل فى اللغة الشبيه. وهو فى عرف القرآن الكلام البليغ المشتمل على تشبيه بديع، كالمثلين السابقين اللذين ضربهما الله فى حال المنافقين أو وصف غريب نحو قوله تعالىيٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ } وضرب المثل إيراده، وعبر عن إيراده بالضرب، لشدة ما يحدث عنه من التأثير فى نفس السامع. وما فى قوله { مَثَلاً مَّا } هى ما الإِبهامية، تجىء بعد النكرة فتزيدها شيوعاً وعموماً، كقولك أعطنى كتاباً ما، أى كتاب كان.

السابقالتالي
2 3 4 5