Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } * { فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

قوله { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ }.. السائلون هم المؤمنون وسؤالهم إنما هو عن الحكم الشرعى من حيث الحل والتحريم. لا عن الحقيقة والذات فإنهم يعرفون حقيقة الخمر والميسر وذاتهما. قال القرطبى والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها - وكل شىء غطى شيئاً فقد خمره. ومنه " خمروا آنيتكم، فالخمر تخمر العقل، أى تغطيه وتستره.. فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك، وقيل إنما سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى أدركت كما يقال قد اختمر العجين، أى بلغ إداركه. وخمر الرأى ترك حتى يتبين فيه الوجه. وقيل إنما سميت خمراً لأنها تخالط العقل من المخامرة وهى المخالطة ومنه قولهم دخلت فى خمار الناس - بفتح الخاء وضمها - أى اختلطت بهم. فالمعانى الثلاثة متقاربة. فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت، ثم خالطت العقل. ثم خمرته، والأصل الستر. ويرى كثير من العلماء أن هذه الآية هى أول آية نزلت فى الخمر. ثم نزلت الآية التى فى سورة النساءيَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } ثم نزلت الآية التى فى سورة المائدةيَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } والدليل على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عمر بن الخطاب أنه قال " اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا " فنزلت هذه الآية { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ } فدعى عمر فقرئت عليه فقال اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا ". فنزلت الآية التى فى النساءيَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ } فكان منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة - نادى أن لا يقربن الصلاة سكران. فدعى عمر فقرئت عليه، فقال " اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا ". فنزلت الآية التى فى المائدة، فدعى عمر فقرئت عليه، فلما بلغ { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } قال عمر " انتهينا ". وبهذا الرأى قال ابن عمر والشعبى ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ويرى بعض العلماء أن أول آية نزلت فى الخمر هى قوله - تعالى - فى سورة النحلوَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً } وعلى هذا الرأى سار صاحب الكشاف وتبعه بعض العلماء فقد قال نزلت فى الخمر أربع آيات، نزل بمكة قوله - تعالى -وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً } فكان المسلمون يشربونها وهى حلال لهم. ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة قالوا يا رسول الله، أفتنا فى الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال، فنزلت { فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } فشربها قوم وتركها آخرون.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7