الرئيسية - التفاسير


* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } * { أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } * { شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

الصيام مصدر صام كالقيام مصدر قام، وهو فى اللغة الإِمساك وترك التنقل من حال إلى حال، فيقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام ومنه قوله - تعالى - مخبراً عن مريمإِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } أى سكوتاً عن الكلام. وصوم الريح ركودها وإمساكها عن الهبوب وتقول العرب صام النهار وصامت الشمس عند قيام الظهيرة لأنها كالممسكة عن الحركة. أما الصيام فى عرف الشرع فهو - كما يقول الآلوسى - إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص فى زمان مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة. وقد فرض الله - تعالى - على المسلمين صيام شهر رمضان فى شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة، وعده النبى صلى الله عليه وسلم أحد أركان الإِسلام الخمسة، فقد روى البخارى - بسنده - عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " بنى الإِسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان ". وأل فى الصيام للعهد الذهنى، فقد كان العرب يعرفون الصوم، فقد جاء فى الصحيحين " عن عائشة قالت كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش والجاهلية ". والتشبيه فى قوله - تعالى - { كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } راجع إلى أصل إيجاب الصوم وفريضته. أى أن عبادة الصوم كانت مكتوبة ومفروضة على الأمم السابقة، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله، إذ لم يرد نص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا فيه كيف كان صيام الأمم السابقة على الأمة الإِسلامية. وقيل إن التشبيه راجع إلى وقت الصوم وقدره، فقد روى عن مجاهد أنه قال كتب الله - عز وجل - صوم شهر رمضان على كل أمة. وهذا القول ليس له دليل، ولذا قال القاضى أبو بكر بن العربى المقطوع به أن التشبيه فى الفرضية خاصة، وسائر الوجوه مجرد احتمال. ولفظ " كما " فى قوله - تعالى - { كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } فى موضع نصب على المصدر، أى فرض عليكم الصيام فرضاً كالذى فرض على الذين من قبلكم. ومن فوائد هذا التشبيه، الاهتمام بهذه العبادة والتنويه بشأنها إذ شرعها - سبحانه - لأتباع النبى صلى الله عليه وسلم ولأتباع الرسل الذين سبقوه فى الدعوة إلى توحيد الله، وهذا مما يقتضى وفرة ثوابها، ودوام صلاحها. كذلك من فوائده تسهيل هذه العبادة على المسلمين لأن الشىء الشاق تخف مشقته على الإِنسان عند ما يعلم أن غيره قد أداه من قبله. والفائدة الثالثة من هذا التشبيه إثارة العزائم والهمم للنهوض بهذه العبادة، حتى لا يكونوا مقصرين فى أدائها، بل يجب عليهم أن يؤدوها بقوة تفوق من سبقهم لأن الأمة الإِسلامية قد وصفها سبحانه بأنها خير أمة أخرجت للناس وهذه الخيرية تقتضى منهم النشاط فيما كلفهم الله بأدائه من عبادات.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8 9