Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } * { أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ }

النسخ فى اللغة الإِبطال والإزالة، يقال. نسخت الشمس الظل تنسخه، إذا أذهبته وأبطلته. وفى عرف الشرع بيان انتهاء مدة الحكم بخطاب لولا هذا الخطاب لاستمر الحكم على مشروعيته، بمقتضى النص الذى تقرر به أولا. وننسها من أنسى الشىء جعله منسياً. فمعنى نسخ الآية فى قوله تعالى { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ } رفع حكمها مع بقائها. ومعنى إنسائها فى قوله - تعالى - { نُنسِهَا } رفع الآية من نظم القرآن جملة. وسمى رفع الآية من نظم القرآن جملة إنساء، لأن من شأن مالا يبقى فى النظم أن ينساه الناس لقلة جريانه على الألسنة بالتلاوة والاحتجاج به. ويصح إبقاء الإِنساء على حقيقته، وهو إذهاب الآية من القلوب وإزالتها من الحافظة، بعد أن يقضى الله بنسخها. وإنما قلنا بعد أن يقضى الله بنسخها، لأن إنساء الناس آية لم تنسخ إضاعة لشىء من القرآن، والله يقولإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ومما يدل على نسخ الآية المنساة، أى انتهاء مدة التكليف بها قوله تعالى { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } أى نأت بخير من المنسية المنسوخة أو مثلها، فيكون قوله تعالى { أَوْ نُنسِهَا } معبراً عن حالة تعرض فى بعض ما سيرفع من القرآن وهى أن ينساه الناس لذهابه من قلوبهم، بعد أن يقضى الله بنسخه - كما ذكرنا -. ووجه ذكر هذه الحال بوجه خاص، أن ما ينسى لعدم حضوره فى الذهن لا تعرف الآيات التى تقوم مقامه، فربما يقع فى الوهم أنه ذهب من غير أن ينزل من الآيات ما يغنى غناءه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ننسأها } بالهمزة، من النساء وهو التأخير وعلى هذه القراءة يحمل النسخ فى قوله تعالى { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ } على النوعين السابقين وهما نسخ الآية حكما فقط، ونسخها حكماً وتلاوة. ومعنى { ننسأها } تؤخر إنزالها إلى وقت ثان فلا ننزلها، وننزل ما يقوم مفامها فى القيام بالمصلحة. والخيرية والمماثلة فى قوله تعالى { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } ترجع إلى ثواب العمل بها. فقد يكون ثواب العمل بالناسخة أوفر من ثواب العمل بالمنسوخة قبل نسخها، وقد يكون مماثلا له، وإن كانت كل واحدة من الآيتين الناسخة والمنسوخة بالنظر إلى الوقت المقدر للعمل بها، أقوم على المصلحة من الأخرى. وبعد أن أثبت - سبحانه - أن النسخ جائز وواقع بقوله { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } ساق جملة كريمة فى صورة الاستفهام التقريرى، مخاطباً بها الأمة الإسلامية فى شخص نبيها صلى الله عليه وسلم لتكون دليلا على هذا الثبوت، وهذه الجملة هى قوله تعالى { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } والمعنى أن الله - تعالى - متمكن من أن يفعل ما يشاء على الوجه الذى تقتضيه حكمته وإرادته، ومن كان هذا شأنه فله أن يأمر فى وقت بأمر، ثم ينسخه أو يستبدل به آخر لمقتضيات الظروف والأحوال.

السابقالتالي
2