Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ كۤهيعۤصۤ } * { ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ } * { إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً } * { قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً } * { وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } * { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً }

سورة مريم من السور القرآنية التى افتتحت ببعض حروف التهجى. وقد سبق أن تكلمنا بشىء من التفصيل، عن آراء العلماء فى المراد بهذه الحروف التى افتتحت بها بعض السور، وذلك عند تفسيرنا لسور البقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس.. ورجحنا أن هذه الحروف المقطعة، قد وردت فى افتتاح بعض سور القرآن، على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن. فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله - تعالى -، هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون به كلامكم، ومنظوماً من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم فى شك من كونه منزلاً من عند الله فهاتوا مثله. أو عشر سور من مثله، بل بسورة واحدة من مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك... فلما عجزوا - وهم أهل الفصاحة والبيان - ثبت أن غيرهم أعجز، وأن هذا القرآن من عند اللهوَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً } وقوله - تعالى - { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ } خبر لمبتدأ محذوف. أى المتلو عليك ذكر رحمة ربك عبده زكريا. ولفظ { ذِكْرُ } مصدر مضاف لمفعوله. ولفظ { رَحْمَةِ } مصدر مضاف لفاعله وهو ربك، و { عَبْدَهُ } مفعول به للمصدر الذى هو رحمة. و { زَكَرِيَّآ } هو واحد من أنبياء الله الكرام، وينتهى نسبه إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليه السلام -. والمعنى هذا الذى نذكره لك يا محمد، هو جانب من قصة عبدنا زكريا، وطرف من مظاهر الرحمة التى اختصصناه بها، ومنحناه إياها. وقوله { إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً } ظرف لرحمة ربك. والمراد بالنداء الدعاء الذى تضرع به زكريا إلى ربه - عز وجل -. أى هذا الذى قرأناه عليك يا محمد فى أول هذه السورة، وذكرناه لك، هو جانب من رحمتنا لعبدنا زكريا. وقت أن نادانا وتضرع إلينا فى خفاء وستر، ملتمسا منا الذرية الصالحة. وإنما أخفى زكريا دعاءه، لأن هذا الإخفاء فيه بعد عن الرياء، وقرب من الإخلاص، وقد أمر الله - تعالى - به فى قولهٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } ويبدو أن هذا الدعاء قد تضرع به زكريا إلى ربه فى أوقات تردده على مريم، واطلاعه على ما أعطاها الله - تعالى - من رزق وفير. ويشهد لذلك قوله - تعالى -فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ }

السابقالتالي
2 3 4