الرئيسية - التفاسير


* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً } * { وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً } * { ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً } * { أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً }

وقوله { وتركنا } بمعنى جعلنا وصيرنا، والضمير المضاف فى قوله { بعضهم } يعود إلى يأجوج ومأجوج، والمراد بـ { يومئذ } يوم تمام بناء السد الذى بناه ذو القرنين. وقوله - سبحانه - { يموج } من الموج بمعنى الاضطراب والاختلاط يقال ماج البحر إذا اضطرب موجه وهاج واختلط. ويقال ماج القوم إذا اختلط بعضهم ببعض وتزاحموا حائرين فزعين. والمعنى وجعلنا وصيرنا بمقتضى حكمتنا وإرادتنا وقدرتنا، قبائل يأجوج ومأجوج يموج بعضهم فى بعض. أى يتزاحمون ويضطربون من شدة الحيرة لأنهم بعد بناء السد، صاروا لا يجدون مكانا ينفذون منه إلى ما يريدون النفاذ إليه، فهم خلفه فى اضطراب وهرج. ويجوز أن يكون المراد بيومئذ يوم مجئ الوعد بخروجهم وانتشارهم فى الأرض، وهذا الوعد قد صرحت به الآية السابقة فى قوله - تعالى -فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً } فيكون المعنى وتركنا قبائل يأجوج ومأجوج، يوم جاء وعد الله بجعل السد مدكوكا ومتساويا مع الأرض، يموج بعضهم فى بعض، بعد أن خرجوا منتشرين فى الأرض، وقد تزاحموا وتكاثروا واختلط بعضهم ببعض. قال الفخر الرازى " اعلم أن الضمير فى قوله { بعضهم } يعود إلى يأجوج ومأجوج. وقوله { يومئذ } فيه وجوه الأول أن يوم السد ماج بعضهم فى بعض خلفه لما منعوا من الخروج. الثانى أنه عند الخروج يموج بعضهم فى بعض. قيل إنهم حين يخرجون من وراء السد يموجون مزدحمين فى البلاد. الثالث أن المراد من قوله { يومئذ } يوم القيامة. وكل ذلك محتمل، إلا أن الأقرب أن المراد به الوقت الذى جعل الله فيه السد دكا فعنده ماج بعضهم ونفخ فى الصور، وصار ذلك من آيات القيامة ". وقال القرطبى قوله - تعالى - { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ } الضمير فى { تركنا } لله - تعالى - أى تركنا الجن والإِنس يوم القيامة يموج بعضهم فى بعض. وقيل تركنا يأجوج ومأجوج { يومئذ } أى يوم كمال السد يموج بعضهم فى بعض، واستعارة الموج لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم فى بعض. وقيل تركنا يأجوج ومأجوج يوم انفتاح السدِّ يموجون فى الدنيا مختلطين لكثرتهم. فهذه أقوال ثلاثة أظهرها أوسطها وأبعدها آخرها. وحسن الأول، لأنه تقدم ذكر القيامة فى تأويل قوله - تعالى - { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي }. وقوله - سبحانه - { وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً } بيان لعلامة من علامات قيام الساعة. والنفخ لغة إخراج النفس من الفم لإِحداث صوت معين. والصور القرن الذى ينفخ فيه إسرافيل - عليه السلام - نفخة الصعق والموت، ونفخة البعث والنشور، كما قال - تعالى -وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ }

السابقالتالي
2 3 4 5