Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً } * { وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً } * { وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً } * { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } * { وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } * { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } * { وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً } * { كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً } * { ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً }

وقوله - سبحانه - { وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ... } نهى عن قتل الأولاد بعد بيان أن الأرزاق بيده - سبحانه -، يبسطها لمن يشاء، ويضيقها على من يشاء. والإِملاق الفقر. يقال أملق الرجل إذا افتقر قال الشاعر.
وإنى على الإِملاق يا قوم ماجد أعد لأضيافى الشواء المصهبا   
قال الآلوسى وظاهر اللفظ النهى عن جميع أنواع قتل الأولاد، ذكورا أو إناثا مخافة الفقر والفاقة. لكن روى أن من أهل الجاهلية من كان يئد البنات مخافة العجز عن النفقة عليهن، فنهى فى الآية عن ذلك، فيكون المراد بالأولاد البنات، وبالقتل الوأد... أى ولا تقتلوا - أيها الآباء - أولادكم خشية فقر متوقع، فنحن قد تكفلنا برزقهم ورزقكم، وأرزاق غيركم من مخلوقاتنا التى لا تحصى. قال - تعالى -وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا.. } ولا شك أن الحياة حق لهؤلاء الصغار كما أنها حق لكم، فمن الظلم البين الاعتداء على حقوقهم، والتخلص منهم خوفا من الفقر المتوقع فى المستقبل، مع أن الله - تعالى - هو الرازق لهم ولكم فى كل زمان ومكان. وقد ورد النهى عن قتل الاولاد هنا بهذه الصيغة، وورد فى سورة الأنعام بصيغة أخرى، هى قوله - تعالى -وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } وليست أحدهما تكرارا للأخرى وإنما كل واحدة منهما تعالج حالة معينة. فهنا يقول - سبحانه - { وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم } لأن النهى موجه بالأصالة إلى الموسرين الذين يقتلون أولادهم لا من أجل فقر كائن فيهم، وإنما من أجل فقر هم يتوهمون حصوله فى المستقبل بسبب الأولاد، لذا قال - سبحانه - { نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم } فقدم رزق الأولاد لأنهم سبب توقع الفقر، فى زعم آبائهم - لكى يمتنع الآباء عن هذا التوقع ولكى يضمن للأولاد رزقهم ابتداء مستقلا عن رزق الآباء. وقال - سبحانه - هناك { من إملاق } لأن النهى متوجه أصالة إلى الآباء المعسرين أى لا تقتلوهم بسبب الفقر الموجود فيكم - أيها الآباء -، فقد يجعل الله بعد عسر يسرا، ولذا قال - سبحانه - { نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم } فجعل الرزق للآباء ابتداء. لكى يطمئنهم - سبحانه - على أنه هو الكفيل برزقهم وبرزق أولادهم. وفى كلتا الحالتين، القرآن الكريم ينهى عن قتل الأولاد، ويغرس فى نفوس الآباء الثقة بالله - تعالى - والاعتماد عليه. وجملة { نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم } تعليل للنهى عن قتل الأولاد، بإبطال موجبه - فى زعمهم - وهو الفقر. أى نحن نرزقهم لا أنتم، ونرزقكم أنتم معهم، وما دام الأمر كذلك فلا تقدموا على تلك الجريمة النكراء وهى قتل الأولاد، لأن الأولاد، قطعة من أبيهم، والشأن - حتى فى الحيوان الأعجم - أنه يضحى من أجل أولاده ويحميهم، ويتحمل الصعاب فى سبيلهم.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8 9 10  مزيد