Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ } * { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } * { وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }

قال القرطبى قوله - تعالى - { وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } أى إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعدما كنت عندهم الصادق الأمين. فأعجب منه تكذيبهم بالبعث - لأن من شاهد ما عدد - سبحانه - من الآيات الدالة على قدرته. أيقن بأن من قدر على إنشائها، كانت الإِعادة أهون شئ عليه وأيسره، والله - تعالى - لا يتعجب، ولا يجوز عليه التعجب، لأنه - أى التعجب - تغير النفس بما تخفى أسبابه، وذلك فى حقه - تعالى - محال، وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون ". وجوز بعضهم أن يكون الخطاب لكل من يصلح له، أى وإن تعجب أيها العاقل لشئ بعد أن شاهدت من مظاهر قدرة الله فى هذا الكون ما شاهدت فازدد تعجبا ممن ينكر بعد كل هذا قدرته - سبحانه - على إحياء الموتى. قال الجمل وقوله { فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } فيه وجهان أحدهما أنه خبر مقدم وقولهم مبتدأ مؤخر، ولا بد من حذف صصفة لتتم الفائدة، أى فعجب أى عجب قولهم. أو فعجب غريب قولهم. والثانى أنه مبتدأ، وسوغ الابتداء ما ذكرته من الوصف المقدر، ولا يضر حينئذ كون خبره معرفة. والتنكير فى قوله { فعجب } للتهويل والتعظيم. وجملة { أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } فى محل نصب مقول القول. أى وإن تعجب من شئ - أيها الرسول الكريم - فاعجب من قول أولئك المشركين أئذا صرنا ترابا وعظاما نخرة بعد موتنا أئنا بعد ذلك لنعاد إلى الحياة مرة أخرى من جديد. والاستفهام للإِنكار، لاستبعادهم الشديد إعادتهم إلى الحياة مرة أخرى لمحاسبتهم على أعمالهم، كما حكى القرآن عنهم قولهم فى آية أخرىأَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } وكرر همزة الاستفهام فى { أئذا } ، { وأئنا } لتأكيد هذا الإِنكار. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جزاءهم على هذا القول الباطل فقال - تعالى - { أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ... } أى أولئك المنكرون لقدرة الله - تعالى - على البعث، هم الذين كفروا بربهم { وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ } والأغلال جمع غل. وهو قيد من حديد تشد به اليد إلى العنق، وهو أشد أنواع القيود. أى وأولئك هم الذين توضع الأغلال والقيود فى أيديهم وأعناقهم يوم القيامة، عندما يساقون إلى النار بذلة وقهر، بسبب إنكارهم لقدرة الله على إعادتهم إلى الحياة، وبسبب جحودهم لنعم خالقهم ورازقهم. قال - تعالى -إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ } وقيل إن الجملة الكريمة تمثيل لحالهم فى الدنيا، حيث شبه - سبحانه - امتناعهم عن الإِيمان، وعدم التفاتهم إلى الحق، بحال قوم فى أعناقهم قيود لا يستطيعون معها التفاتا أو تحركاً.

السابقالتالي
2 3 4