Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي (ت 1431 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ } * { وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ } * { وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ } * { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ } * { وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ } * { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }

قال الإِمام ابن كثير " هذا بيان لإِعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعانى الغزيرة النافعة فى الدنيا والآخرة، لا يكون إلا من عند الله - تعالى - الذى لا يشبهه شىء فى ذاته ولا فى صفاته، ولا فى أفعاله ولا فى أقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين، ولهذا قال - تعالى - { وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ }. والنفى هنا للشأن الذى هو أبلغ فى النفى، وأعمق فى الدلالة على أن هذا القرآن من عند الله، من نفى الشىء فى ذاته مباشرة. أى وليس من شأن هذا القرآن المعجز، أن يخترعه أو يختلقه أحد من الإِنس أو الجن أو غيرهما لأن ما اشتمل عليه من إعجاز وبلاغة وتشريعات حكيمة، وآداب قويمة، وهدايات جامعة... يشهد بأنه من كلام خالق القوى والقدر. وقوله { وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ } بيان لكمال هداية القرآن الكريم، وهيمنته على الكتب السماوية السابقة. والمراد بالذى بين يديه الكتب السابقة على القرآن كالتوراة والإِنجيل والزبور. وقوله { بَيْنَ يَدَيْهِ } فيه نوع مجاز لأن ما بين يدى الشىء يكون أمامه، فوصف - سبحانه - ما مضى من الكتب بأنها بين يدى القرآن لشدة ظهورها واشتهارها، ومعنى تصديق القرآن للكتب السابقة تأييده لما اشتملت عليه من دعوة إلى وحدانية الله - تعالى -، ومن أمر باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند ظهوره. وأل فى { الكتاب } للجنس، فالمراد به جنس الكتب السماوية التى أنزلها - سبحانه - على بعض أنبيائه. والمعنى ليس من شأن هذا الكتاب فى إعجازه وهدايته أن يكون من عند غير الله، لأن غيره - سبحانه - لا يقدر على ذلك، ولكن من شأنه أن يكون مؤيداً للكتب السماوية السابقة فيما دعت إليه من إخلاص العبودية لله - تعالى - ومن اتباع لرسله، وأن يكون مفصلا وموضحا لما اشتملت عليه هذه الكتب من تشريعات وآداب وأحكام. وقوله { تصديق } منصوب على أنه معطوف على خبر كان، أو على أنه خبر لكان المقدرة أى ولكن كان تصديق. وقوله { لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ } بيان لمصدره. أى هذا الكتاب لا ريب ولا شك فى كونه منزلا على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - من الله - تعالى - رب العالمين. وفصلت جملة { لاَ رَيْبَ فِيهِ } عما قبلها لأنها مؤكدة له، ومقررة لمضمونه. ونفى - سبحانه - عن القرآن الريب على سبيل الاستغراق مع وقوع الريب فيه من المشركين، حيث وصفوه بأنه أساطير الأولين، لأنه لروعة بيانه، وسطوع حجته، ووضوح دلائله، لا يرتاب ذو عقل متدبر فى كونه وحياً سماوياً، ومصدر هداية وإصلاح.

السابقالتالي
2 3 4 5 6