Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير أضواء البيان في تفسير القرآن/ الشنقيطي (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { لاَ تُقَدِّمُواْ } فيه لعلماء التفسير ثلاثة أوجه: الأول منها وهو أصحها وأظهرها أنه مضارع قدم اللازمة بمعنى تقدم.

ومنه مقدمة الجيش ومقدمة الكتاب بكسر الدال فيهما، وهو اسم فاعل قدم بمعنى تقدم.

ويدل لهذا الوجه قراءة يعقوب من الثلاثة الذين هم تمام العشرة لا تقدموا بفتح التاء والدال المشددة وأصله لا تتقدموا فحذفت إحدى التاءين.

الوجه الثاني: أنه مضارع قدم المتعدي، والمفعول محذوف لإرادة التعميم أي لا تقدموا قولاً ولا فعلاً بين يدي الله ورسوله بل أمسكوا عن ذلك حتى تصدروا فيه عن أمر الله ورسوله.

الوجه الثالث: أنه مضارع قدم المتعدية ولكنها أجريت مجرى اللازم، وقطع النظر عن وقوعها على مفعولها، لأن المراد هو أصل الفعل دون وقوعه على مفعوله.

ونظير ذلك قوله تعالى:وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ } [المؤمنون: 80] اي هو المتصف بالإحياء والإماتة، ولا يراد في ذلك وقوعهما على مفعول.

وكقوله تعالى:قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } [الزمر: 9] لأن المراد، أن المتصفين بالعلم لا يستوون مع غير المتصفين به.

ولا يراد هنا وقوع العلم على مفعول، وكذلك على هذا القول: لا تقدموا، لا تكونوا من المتصفين بالتقديم.

وقد قدمنا في كلامنا الطويل على آية:أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ } [النساء: 82] أن لفظة بين يديه معناها أمامه، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك.

والمعنى لا تتقدموا أمام الله ورسوله: فتقولوا في شيء بغير علم ولا إذن من الله، وهذه الآية الكريمة فيها التصريح بالنهي عن التقديم بين يدي الله ورسوله، ويدخل في ذلك دخولاً أولياً تشريع ما لم يأذن به الله وتحريم ما لم يحرمه، وتحليل ما لم يحلله، لأنه لا حرام إلا ما حرمه الله ولا حلال إلا ما أحله الله، ولا دين إلا ما شرعه الله.

وقد أوضحنا هذه بالآيات القرآنية بكثرة في سورة شورى في الكلام على قوله تعالى:وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ } [الشورى: 10] وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى:وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً } [الكهف: 26] وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [الإسراء: 9] وفي غير ذلك من المواضع.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أي بامتثال أمره واجتناب نهيه.

وقوله { إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فهو سميع لكل ما تقولون من التقديم بين يديه وغيره، عليم بكل ما تفعلون من التقديم بين يديه وغيره.