Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير أضواء البيان في تفسير القرآن/ الشنقيطي (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ }

قوله تعالى: { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ }.

قد بينا في سورة هود في الكلام على قوله تعالى:وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً } [هود: 29] الآية. أن جميع الرسل عليهم الصلوات والسلام، لا يأخذون أجراً على التبليغ، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك.

وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وجه الجمع بين تلك الآيات، وآية الشورى هذه فقلنا فيه:

اعلم أولاً أن في قوله تعالى { إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } أربعة أقوال:

الأول: ورواه الشعبي وغيره عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة وعكرمة وأبو مالك والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم كما نقله عنهم ابن جرير وغيره، أن معنى الآية { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } [الشورى: 23] أي إلا أن تودوني في قرابتي التي بيني وبينكم، فتكفوا عني أذاكم وتمنعوني من أذى الناس، كما تمنعون كل من بينكم وبينه مثل قرابتي منكم، وكان صلى الله عليه وسلم له في كل بطن من قريش رحم، فهذا الذي سألهم ليس بأجر على التبليغ لأنه مبذول لكل أحد، لأن كل أحد يوده أهل قرابته وينتصرون له من أذى الناس.

وقد فعل له ذلك أبو طالب ولم يكن أجراً على التبليغ لأنه لم يؤمن.

وإذا كان لا يسأل أجراً إلا هذا الذي ليس بأجر تحقق أنه لا يسأل أجراً كقول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم   بهن فلول من قراع الكتائب
ومثل هذا يسميه البلاغيون تأكيد المدح بما يشبه الذم.

وهذا القول هو الصحيح في الآية، واختاره ابن جرير، وعليه فلا إشكال.

الثاني: أن معنى الآية { إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } [الشورى: 23] أي لا تؤذوا قرابتي وعترتي واحفظوني فيهم، ويروى هذا القول عن سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب وعلي بن الحسين، وعليه فلا إشكال أيضاً.

لأن المودة بين المسلمين واجبة فيما بينهم، وأحرى قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } [التوبة: 71] وفي الحديث " مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كالجسد الواحد إذا اصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " وقال صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " والأحاديث في مثل هذا كثيرة جداً.

وإذا كان نفس الدين يوجب هذا بين المسلمين، تبين أنه غير عوض عن التبليغ.

وقال بعض العلماء: الاستثناء منقطع على كلا القولين، وعليه فلا إشكال.

فمعناه على القول الأول { لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرا } لكن أذكركم قرابتي فيكم.

وعلى الثاني: لكن أذكركم الله في قرابتي فاحفظوني فيهم.

القول الثالث: وبه قال الحسن إلا المودة في القربى أي إلا أن تتوددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، وعليه فلا إشكال.

السابقالتالي
2