Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير أضواء البيان في تفسير القرآن/ الشنقيطي (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ }

قوله تعالى: { نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ } أي نقلبه فيه، فنخلقه على عكس ما خلقناه من قبل، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده، وخلو من عقل وعلم، ثم جلعناه يتزايد وينتقل من حال إلى حال، ويرتقي من درجة إلى درجة إلى أن يبلغ أشُدَّه ويستكمل قوته ويعقل ويعلم ما له وما عليه، فإذا انتهى نكَّسْناه في الخلق، فجعلناه بتناقص حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من العلم، وأصل معنى التنكيس: جعل أعلا الشيء أسفله.

وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى:ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةً ضَعْفاً وَشَيْبَةً } [الروم: 54] الآية. وقوله تعالى:لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ } [التين: 4ـ5] الآية على أحد التفسيرين، وقوله تعالى في الحج:وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } [الحج: 5] وقوله تعالى في النحل:وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً } [النحل: 70] وقوله تعالى في سورة المؤمن:ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً } [غافر: 67].

وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة النحل وقرأ هذا الحرف عاصم، وحمزة: { نُنَكِّـسْه } بضم النون الأولى، وفتح الثانية وتشديد الكاف المكسورة من التنكيس: وقرأه الباقون بفتح النون الأولى، وإسكان الثانية، وضم الكاف مخففة مضارع نكسه المجرد وهما بمعنى واحد. وقرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر: { أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } بتاء الخطاب؟ وقرأه الباقون: { أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } بياء الغيبة.