Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }

{ إذ يريكهم الله } بدل من قولهإذ أنتم بالعدوة الدنيا } الأنفال 42 فإنّ هذه الرؤيا ممّا اشتمل عليه زمان كونهم بالعدوة الدنيا لوقوعها في مدّة نزول المسلمين بالعدوة من بدر، فهو بدل من بدل. والمنام مصدر ميمي بمعنى النوم، ويطلق على زمن النوم وعلى مكانه. ويتعلق قوله { في منامك } بفعل { يريكهم } ، فالإراءة إراءة رؤيا، وأسندت الإراءة إلى الله تعالى لأنّ رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وحي بمدلولها، كما دلّ عليه قوله تعالى، حكاية عن إبراهيم وابنهقال يا بُنَيّ إنّيَ أرى في المنام أنِّي أذْبَحُك فانْظُر ماذا ترى قال يا أبَتِ افعل ما تؤمر } الصافات 102 فإنّ أرواح الأنبياء لا تغلبها الأخلاط، ولا تجول حواسهم الباطنة في العبث، فما رؤياهم إلاّ مكاشفات روحانية على عالم الحقائِق. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى رؤيا منامٍ، جيشَ المشركين قليلاً، أي قليل العَدد وأخبر برؤياه المسلمين فتشجّعوا للقاء المشركين، وحملوها على ظاهرها، وزال عنهم ما كان يخامرهم من تهيّب جيش المشركين. فكانت تلك الرؤيا من أسباب النصر، وكانت تلك الرؤيا منّة من الله على رسوله والمؤمنين، وكانت قِلة العدد في الرؤيا رَمزاً وكناية عن وهن أمر المشركين لا عن قلّة عددهم. ولذلك جعلها الله في رؤيا النوم دون الوحي، لأنّ صور المَرائي المنامية تكَون رموزاً لمعان فلا تُعَدُّ صورتها الظاهرية خلفاً، بخلاف الوحي بالكلام. وقد حكاها النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين، فأخذوها على ظاهرها، لعلمهم أنّ رؤيا النبي وحي، وقد يكون النبي قد أطلعه الله على تعبيرها الصائِب، وقد يكون صرفه عن ذلك فظنّ كالمسلمين ظاهرها، وكلّ ذلك للحكمة. فرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم لم تخطىء ولكنها أوهمتهم قلّة العَدد، لأنّ ذلك مرغوبهم والمقصود منه حاصل، وهو تحقّق النصْر، ولو أخبروا بعدد المشركين كما هو لجبنُوا عن اللقاء فضعفت أسباب النصر الظاهرة المعتادة التي تكسبهم حسن الأحدوثة. ورؤيا النبي لا تخطىء، ولكنها قد تكون جارية على الصورة الحاصلة في الخارج، كما ورد في حديث عائشة في بدء الوحي أنّه كان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فَلَق الصبح، وهذا هو الغالب، وخاصّة قبل ابتداء نزول المَلك بالوحي، وقد تكون رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم رمزية وكناية كما في حديث رؤياه بَقَراً تُذبح، ويُقال له الله خير، فلم يعْلَم المراد حتّى تبيّن له أنّهم المؤمنون الذين قُتلوا يوم أُحد. فلمّا أراد الله خذل المشركين وهزمهم أرى نبيئه المشركين قليلاً كناية بأحد أسباب الانهزام، فإنّ الانهزام يجيء من قلّة العدد. وقد يُمسك النبي عليه الصلاة والسلام عن بيان التعبير الصحيح لحكمة، كما في حديث تعْبير أبي بكر رؤيا الرجل الذي قصّ رؤياه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول النبي له

السابقالتالي
2 3