الرئيسية - التفاسير


* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً } * { وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً } * { وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً }

هذه الجملة بدل من جملةقال رب إني دَعوت قومي } نوح 5 بدلَ اشتمال لأن حكاية عصيان قومه إياه مما اشتملت عليه حكاية أنه دعاهم فيحتمل أن تكون المقالتان في وقت واحد جاء فيه نوح إلى مناجاة ربه بالجواب عن أمره له بقولهأنْذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } نوح 1 فتكون إعادة فعل { قال } من قبيل ذكر عامل المبدل منه في البدل كقوله تعالىتكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا } المائدة 114، للربط بين كلاميه لطول الفصل بينهما. ويحتمل أن تكون المقالتان في وقتين جمعها القرآن حكاية لجوابيه لربه، فتكون إعادة فعل { قال } لما ذكرنا مع الإِشارة إلى تباعد ما بين القولين. ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ما سبقها من قولهقال رب إني دعوت قومي } نوح 5 إلى هنا مما يثير عجباً من حال قومه المحكي بحيث يتساءل السامع عن آخر أمرهم، فابتدىء ذكر ذلك بهذه الجملة وما بعدها إلى قولهأنصاراً } نوح 25. وتأخير هذا بعد عن قولهقال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً } نوح 5 ارتقاء في التذمر منهم لأن هذا حكاية حصول عصيانهم بعد تقديم الموعظة إليهم بقولهيرسل السماء عليكم مدراراً } نوح 11 إلى قولهسُبُلاً فجاجاً } نوح 20 وإظهار اسم { نوح } مع القول الثاني دون إضمارٍ لبعد معاد الضمير لو تحمَّله الفعل، وهذا الخبر مستعمل في لازم معناه، كما تقدم في قوله { قال رب } الخ. وتأكيد الخبر بـ إن للاهتمام بما استعمل فيه من التحسر والاستنصار. ثم ذكر أنهم أخذوا بقول الذين يصدونهم عن قبول دعوة نوح، أي اتبعوا سادتهم وقادتهم. وعدل عن التعبير عنهم بالكبراء ونحوه إلى الموصول لما تؤذن به الصلة من بطرهم نعمة الله عليهم بالأموال والأولاد، فقلبوا النعمة عندهم موجب خسار وضلال. وأدمج في الصلة أنهم أهل أموال وأولاد إيماء إلى أن ذلك سبب نفاذ قولهم في قومهم وائتمار القوم بأمرهم فأموالهم إذ أنفقوها لتأليف أتباعهم قال تعالىإن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل الله } الأنفال 36، وأولادُهم أرهبوا بهم من يقاومهم. والمعنى واتبعوا أهل الأموال والأولاد التي لم تزدهم تلك الأموال والأولاد إلاّ خساراً لأنهم استعملوها في تأييد الكفر والفساد فزادتهم خساراً إذ لو لم تكن لهم أموال ولا أولاد لكانوا أقل ارتكاباً للفساد قال تعالىوذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً } المزمل 11. والخسار مستعار لحصول الشر من وسائلَ شأنُها أن تكون سبب خير كخسارة التاجر من حيث أراد الربح، فإذا كان هؤلاء خاسرين فالذين يتبعونهم يكونون مثلهم في الخسارة وهم يحسبون أنهم أرشدوهم إلى النجاح. ومَا صْدَق { مَنْ } فريقٌ من القوم أهل مال وأولاد ازدادوا بذلك بطَراً دون الشكر وهم سادتهم، ولذلك أعيد عليه ضمير الجمع في قوله { ومكَروا، } وقوله { وقالوا، } وقوله

السابقالتالي
2 3