Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

عود إلى الاستدلال على إمكان البعث فهو متصل بقولهوالذي قال لوالديه أفَ لكما أتَعِدَانِني أن أُخرج وقد خلت القرون من قبلي } الأحقاف 17 إلى قولهأولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين } الأحقاف 18 فهو انتقال من الموعظة بمصير أمثالهم من الأمم إلى الاستدلال على إبطال ضلالهم في شركهم وهو الضلال الذي جرّأهم على إحالة البعث، بعد أن أطيل في إبطال تعدد الآلهة وفي إبطال تكذيبهم بالقرآن وتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا عود على بدء فقد ابتدئت السورة بالاحتجاج على البعث بقوله تعالىما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } الأحقاف 3 الآية ويتصل بقولهوالذي قال لوالديه أفَ لكما أتِعَدَانني أن أخرج } الاحقاف 17 إلى قولهأساطير الأولين } الأحقاف 17. والواو عاطفة جملة الاستفهام، وهو استفهام إنكاري، والرؤية عِلمية. واختير هذا الفعل من بين أفعال العلم هنا لأن هذا العلم عليه حجة بينة مشاهدة، وهي دلالة خلق السماوات والأرض من عدم، وذلك من شأنه أن يفرض بالعقل إلى أن الله كامل القدرة على ما هو دون ذلك من إحياء الأموات. ووقعت { أنّ } مع اسمها وخبرها سادّة مسدّ مفعولي { يروا }. ودخلت الباء الزائدة على خبر { أنّ } وهو مثبت وموكَّد، وشأن الباء الزائدة أن تدخل على الخبر المنفي، لأن { أن } وقعت في خبر المنفي وهو { أولم يروا }. ووقع { بلى } جواباً عن الاستفهام الإنكاري. ولا يريبك في هذا ما شاع على ألسنة المعربين أن الاستفهام الإنكاري في تأويل النفي، وهو هنا اتصل بفعل منفي بــ لم فيصير نفي النفي إثباتاً، فكان الشأن أن يكون جوابه بحرف نعم دون { بلى } ، لأن كلام المعربين أرادوا به أنه في قوة منفي عند المستفهم به، ولم يريدوا أنه يعامل معاملة النفي في الأحكام. وكون الشيء بمعنى شيء لا يقتضي أن يعطَى جميع أحكامه. ومحل التعجيب هو خبر { أنّ } وأما ما قبله فالمشركون لا ينكرونه فلا تعجيب في شأنه. ووقوع الباء في خبر { أنّ } وهو { بقادر } باعتبار أنه في حيّز النفي لأن العامل فيه وهو حرف { أنّ } وقع في موضع مفعولي فِعل { يروا } الذي هو منفي فسرى النفي للعامل ومعموله، فقرن بالباء لأجل ذلك، وفي «الكشاف» «قال الزجاج لو قلت ما ظننت أن زيداً بقائم جاز، كأنه قيل أليس الله بقادر» اهــ. وقال أبو عبيدة والأخفش الباء زائدة للتوكيد كالباء في قولهوكفى بالله شهيداً } النساء 79 يريدان أنها زائدة في الإثبات على وجه الندور. وأما موقع الجواب بحرف { بلى } فهو جواب لمحذوف دل عليه التعجيب من ظنهم أن الله غيرُ قادر على أن يحيــي الموتى، فإن ذلك يتضمن حكاية عنهم أن الله لا يحيــي الموتى، فأجيب بقوله { بلى } تعليماً للمسلمين وتلقيناً لما يجيبونهم به.

السابقالتالي
2