Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }

عطف علىوما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون } الجاثية 24، أي عقدوا على عقيدة أن لا حياة بعد الممات استناداً للأوهام والأقيسة الخيالية. وإذا تليت عليهم آيات القرآن الواضحة الدلالة على إمكان البعث وعلى لزومه لم يعارضوها بما يبطلها بل يهرعون إلى المباهتة فيقولون إن كان البعث حقاً فأتوا بآبائنا إن صدقتم. فالمراد بالآيات آيات القرآن المتعلقة بالبعث بدليل ما قبل الكلام وما بعده.وفي قوله { ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا } تسجيل عليهم بالتلجلج عن الحجة البينة، والمصيرِ إلى سلاح العاجز من المكابرة والخروج عن دائرة البحث.والخطاب بفعل { ائتوا } مُوجّهٌ للمؤمنين بدخول الرسول صلى الله عليه وسلم و { إلا أن قالوا } استثناء من حجتهم وهو يقتضي تسمية كلامهم هذا حجة وهو ليس بحجة إذ هو بالبهتان أشبه فإمّا أن يكون إطلاق اسم الحجة عليه على سبيل التهكم بهم كقول عمرو بن كلثوم
قريناكم فعجلنا قِراكم قبيل الصبح مِرْداة طحونَا   
فسمى القتل قرى، وعلى هذا يكون الاستثناء في قوله { إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا } استثناء متصلاً تهكماً، وإمّا أن يكون إطلاق اسم الحجة على كلامهم جرى على اعتقادهم وتقديرهم دونَ قَصد تهكّم بهم، أي أتوا بما توهموه حجّة فيكون الإطلاق استعارة صورية والاستثناء على هذا متصل أيضاً. وإما أن يكون الإطلاق استعارة بعلاقة الضدية فيكون مجازاً مرسلاً بتنزيل التضاد منزلة التناسب على قصد التهكم فيكون المعنى أن لا حجة لهم البتة إذ لا حجة لهم إلا هذه، وهذه ليست بحجة بل هي عناد فيحصل أن لا حجة لهم بطريق التمليح والكناية كَقَول جِرَانِ العَوْدِ
وبلدةٍ ليس بها أنيس إلا اليَعافيرُ وإلا العِيس   
أي لا أنس بها البتة.ويقدر قوله { أن قالوا ائتوا بآبائنا } في محل رفع بالاستثناء المفرغ على الاعتبارات الثلاثة فهو اسم { كان } و { حجتهم } خبرها لأن حجتهم منصوب في قراءة جميع القراءات المشهورة.وتقديم خبر { كان } على اسمها لأن اسمها محصور بــ { إلاّ } فحقه التأخير عن الخبر. 26 { قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }.تلقين لإبطال قولهموما يهلكنا إلا الدهر } الجاثية 24 يتضمن إبطال قولهمما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونَحْيا } الجاثية 24.والمقصود منه قوله { ثم يميتكم } وإنما قدم عليه { يحييكم } توطئة له، أي كما هو أوجدكم هو يميتكم لا الدهر، فتقديم اسم الله على المسند الفعلي وهو { يحييكم ثم يميتكم } يفيد تخصيص الإحياء والإماتة به لإبطال قولهم، إن الدهر هو الذي يميتهم.وقوله { ثم يجمعكم إلى يوم القيامة } إبطال لقولهمما هي إلا حياتنا الدنيا } الجاثية 24 وليس هو إبطالاً بطريق الاستدلال لأن أدلة هذا تكررت فيما نزل من القرآن فاستغني عن تفصيلها ولكنه إبطال بطريق الإجمال والمعارضة.

السابقالتالي
2