Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التحرير والتنوير/ ابن عاشور (ت 1393 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ }

لما كان في قولهولا يغرنكم بالله الغرور } فاطر 5 إبهام مّا في المراد بالغَرور عُقب ذلك ببيانه بأن الغَرور هو الشيطان ليتقررَ المسند إليه بالبيان بعد الإِبهام. فجملة { إن الشيطان لكم عدو } تتنزل من جملة { ولا يغرنكم بالله الغرور } منزلة البيان من المبيَّن فلذلك فصلت ولم تعطف، وهذا من دلالة ترتيب الكلام على إرادة المتكلم إذ يعلم السامع من وقوع وصف الشيطان عقب وصف الغَرور أن الغرور هو الشيطان. وأُظهر اسم الشيطان في مقام الإِضمار للإِفصاح عن المراد بالغَرور أنه الشيطان وإثارةُ العداوة بين الناس والشيطان معنى من معاني القرآن تصريحاً وتضمّناً، وهو هنا صريح كما في قوله تعالىوقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } البقرة 36. وتلك عداوة مودَعة في جبلَّتِه كعداوة الكلب للهرّ لأن جبلة الشيطان موكولة بإيقاع الناس في الفساد وأسوأ العواقب في قوالب محسَّنة مزينة، وشواهد ذلك تظهر للإِنسان في نفسه وفي الحوادث حيثما عثر عليها وقد قال تعالىيا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } الأعراف 27. وتأكيد الخبر بحرف التأكيد لقصد تحقيقه لأنهم بغفلتهم عن عداوة الشيطان كحال من ينكر أن الشيطان عدوّ. وتقديم { لكم } على متعلَّقه للاهتمام بهذا المتعلّق فرع عنه أن أمروا باتخاذه عدوّاً لأنهم إذا علموا أنه عدوّ لهم حقّ عليهم اتخاذه عدوّاً وإلا لكانوا في حماقة. وفيه تنبيه على وجوب عداوتهم الدعاة في الضلالة المستمدين من الشيطان. والكلام على لفظ عدوّ تقدم عند قوله تعالىفإن كان من قوم عدو لكم } في سورة النساء 92. واللام في { لكم } لام الاختصاص وهي التي تتضمنها الإِضافة فلما قدم ما حقه أن يكون مضافاً إليه صرح باللام ليحصل معنى الإِضافة. وإنما أمر الله باتخاذ العدوّ عدواً ولم يندب إلى العفو عنه والإِغضاء عن عداوته كما أمر في قولهفمن عفا وأصلح فأجره على الله } الشورى 40 ونحو ذلك مما تكرر في القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن ما ندب إليه من العفو إنما هو فيما بين المسلمين بعضهم مع بعض رجاء صلاح حال العدوّ لأن عداوة المسلم عارضة لأغراض يمكن زوالها ولها حدود لا يخشى معها المضار الفادحة كما قال تعالىادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } فصلت 34 ولذلك لم يأمر الله تعالى بمثل ذلك مع أعداء الدين فقاللا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } الممتحنة 1 الآية، بل لم يأمر الله تعالى بالعفو عن المحاربين من أهل الملّة لأن مناوأتهم غير عارضة بل هي لغرض ابتزاز الأموال ونحو ذلك فقالإلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } المائدة 34 فعداوة الشيطان لما كانت جبلّية لا يرجى زوالها مع من يعفو عنه لم يأمر الله إلا باتخاذه عدوّاً لأنه إذا لم يتخذ عدوّاً لم يراقب المسلم مكائده ومخادعته.

السابقالتالي
2